Sunday, August 29, 2010

اعادة انتشار قوات الاحتلال في العراق تحت اسم الانسحاب


ولاء السامرائي
القدس العربي
2010-08-27
بعد سبع سنوات من الإبادة والتدمير والنهب والفساد المبرمج للعراق على أيدي سلطات الاحتلال ووكلائه، تقوم الإدارة الأمريكية بإعادة انتشار قواتها في العراق تحت اسم الانسحاب. هذا التعبير الذي سخر منه أكثر من صحافي غربي بضمنهم صحافيون أمريكيون لأنه ببساطة ليس صحيحا وبالأحرى هو كذب على المواطنين الأمريكيين الذين ينتظرون عودة أبنائهم الى الوطن، وعلى من انتخب أوباما لرفعه شعار معاداة الحروب التي شنها بوش والمحافظون الجدد. وسرعان ما رجع أوديرنو قائد قوات الاحتلال ليصحح معلومة البعض من أن سحب هذا العدد من القوات لا يعني أنها لن تعود مرة أخرى لبلاد الرافدين.
تترك الإدارة الأمريكية المجرمة الملطخة أياديها بدماء مليوني عراقي أعدادا هائلة من القوات العسكرية المتخصصة ومعها جيش كامل من المرتزقة، أنجز أهم المهمات الإجرامية التي لا تتمكن منها او لا ترغب القيام بها القوات النظامية في العراق منذ الغزو. وقبل أسابيع ذكرت الصحف الأمريكية ان الجنرال ديفيد بتراوس يسعى كما سابقه المجرم بريمر طلب غطاء دبلوماسي لحماية المرتزقة في العراق. ان أوباما ما يزال يعمل بتوصيات تقرير بيكر- هاملتون الذي أوصى بالقوة الناعمة، إضافة الى القوة العسكرية. وقد نجح الجنرال ماكريستال في عملية سميت 'أنتي سيرج' بخداع واغراء البعض بالمال بعدم جدوى القتال ضد القوات المحتلة، مشيطنين إيران وساستها بنفس الطريقة التي استعملت ضد العراق. أخذت الماكنة الإعلامية الصفراء بتحويل الأنظار الى العدو التاريخي الفارسي وتصوير القوات الأمريكية بحراس المصالح العراقية التي ستنسحب عاجلا أم آجلا، متناسين سنوات من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، لتصبح إيران العدو الأول الذي يتجذر في العراق ويختفي تحت العباءة المذهبية، التي امتطتها جارة العراق فعلا لتنتقم من الشعب العراقي ظلما بنشر سموم الطائفية الأمية والمتعصبة ولتجرم بحقه في نهج الاقتتال والتطهير الطائفي الذي قادته بمعية ضباطها ووكلائها العراقيين، ناخرة نسيجه الإسلامي والوطني بغطاء أمريكي يناسبه اتمام قسم من جرائمه مجانا وبأيدي آخرين وخاصة من الإيرانيين.
يدا بيد أجرمت الولايات المتحدة ومرتزقتها وجيشها في العراق ومعها إيران جارة العراق ووكلاؤها، خلال سبع سنوات لم يرفض السفير الإيراني في العراق الجلوس مع العسكريين الأمريكيين في اجتماعات وزارة الدفاع ولا الداخلية ليكون على علم بكل ما يدور، وخاصة بكل عمليات القتل والتطهير والسجن للعراقيين. لقد تشارك الأصدقاء الأعداء في كل الجرائم التي حدثت ضد الشعب العراقي وضد العراق، من ابادة واغتيال وتدمير ونهب وفساد، أتم كل واحد منهم ما يريده وعلى طريقته.. الأمريكي في ابو غريب والأمريكي الذي اختص بقطع الرؤوس تحت مسميات القاعدة، والإيراني بالتطهير الطائفي والاختطاف وقتل الطيارين والعسكريين من المشاركين في الحرب في الثمانينات. اخترع الأمريكي القاعدة في العراق وأوجدت إيران لها قاعدة لنفس الهدف الذي هو خلط الأوراق في العراق لكي تضيع الجريمة ويضيع المجرم وتلصق الجرائم بالمقاومة العراقية. كل واحد من هذه التنظيمات أجرم واقترف جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تشهد عليها الشوارع التي امتلأت بالجثث، تشهد عليها السجون القديمة والجديدة التي بناها المحتل وبالذات شركة هالبيبرتن التابعة لمجرم الحرب ديك تشيني الممتلئة بالأبرياء من رجال العراق، تشهد عليها دموع الأطفال وصراخهم وهم يرون أباءهم يساقون باهانات الى المعتقلات ولا يعودون، تشهد عليها ملايين الأرامل واليتامى الذين لا يجدون لهم مأوى حتى في بيوتهم ومنازلهم، تشهد عليها ما احرق ودمر من المؤسسات التعليمية والصحية والوزارات وما احرق من المكتبات وما سرق من المتاحف ليتاجر بها المرابون في نيويورك وتل أبيب، تشهد عليها مفوضية اللاجئين العراقيين وتشهد عليها خيم العراقيين والفلسطينيين في صحراء العراق وعلى حدود الدول المجاورة، لتضيف عارا وخزيا على جباه المحتلين، وبالأخص على أحزاب العملية السياسية التي تمخضت عن فئران تختبئ وراء جدران المنطقة الخضراء .
أن الولايات المتحدة ورغم خسائرها الكبيرة في غزو العراق وأفغانستان والتي تقدر بثلاثة تريليونات وهي في زيادة وليست في نقصان لن تنسحب كما يحلو لأوباما تطمين ناخبيه وامتصاص نقمة المعارضين للحرب خوفا من ضغوط شعبية تضطره للانسحاب كما في حرب فيتنام، وكذلك لكي تكون اعادة هذا الانتشار 'الانسحاب' دعاية له تدعمه في الانتخابات النصفية المقبلة. ان قبضة الولايات المتحدة ستشتد أكثر وأكثر على العراق، اليوم ولعدة سنوات بحسب معاهدة الصداقة الدائمة وفيما بعد لا نعرف أي تخريج بلاغي تقدمه الإدارة المحتلة لفرض بقائها واستعمارها للعراق، وذلك على عكس ما يطرح في الاعلام العربي وبالأخص الأطلسي الذي يفضل ان تتم الصفقات والجرائم بصمت وبدون دعاية وبدون ضجة وان يقال عن اعادة انتشار الجيش واستمرار احتلاله بالانسحاب. فهل حصل ان ترك كاوبوي ـ غنيمة - الأموال التي سرقها بعــــد تكبده العــــــناء والمشقة والمخاطر والخسائر؟ ان المعروف أكثر عن الكاوبوي البطل هو أنه يقتل رفاقه الذين يزاحمونه على الغنيمة اذا كان هناك رفاق. الكاوبوي الديمقراطي ما يزال يرقب عن كثب العملية السياسية في العراق ويتمهل، يده لا تفارق الزناد.
أما اذا سنحت له الفرصة في التخلص ممن شاركوه في العملية فلن يتوانى عن اطلاق الرصاصة التي ترديهم قتلى. هذا هو حال الشد والرخي بين الولايات المتحدة وإيران اللتين تتنازعان غنيمة العراق وتتنازعان انفاذ أجندتهما فيه عبر أحزاب العملية السياسية منذ الانتخابات التي جرت قبل أشهر حتى اليوم.
ان تصريحات الولايات المتحدة الأخيرة حول التجديد للمالكي، رغم فوز العراقية في الانتخابات يتجه ضد رغبة الناخبين العراقيين الذين رفضوا الأحزاب الطائفية والمحاصصة وذهبوا الى الاقتراع لينتصروا على رغبة الولايات المتحدة وإيران في الاستمرار بنهج طائفي وعرقي بغيض حرق العراق والشعب العراقي. ان اتجهت الولايات المتحدة الى مثل هذا القرار فهي بذلك تترك العراق المثخنة جراحه طعما الى الأحزاب الطائفية بدعم ايراني لتستكمل إرساء الطائفية الجاهلة والمحاصصة القبيحة التي كرهها الشعب العراقي وقذف بها في المزابل.
فهل تترك المقاومة العراقية الفرصة لقوات الاحتلال وإيران وأحزابها لترسيخ الشروخ التي قامت بها هذه القوى لشرذمة الشعب العراقي وتحويل أهله الى عصابات تتقاتل بينها من اجل الأموال: يكفي أن نرى كيف تغيرت هيئات البعض من ملتحين بسيطي الهندام الى متبارين في التشبه بالأسياد في الملبس كما في المظهر؟
لقد أنجزت فصائل المقاومة الوطنية المجاهدة منذ الغزو أكبر المخططات خبثا وخطورة حينما نسفت مخطط الشرق الأوسط الكبير الذي تباهى بالتنظير له عتاة الصهاينة العنصريين من المحافظين الجدد في واشنطن. واليوم لن تكسر شوكة المشاريع الصغيرة والكبيرة الناعمة والسرية التي تحاك وتدس لبلدنا وشعبنا خفاء من أوباما وديمقراطييه بواسطة أحزاب العملية السياسية مثل سم يهدد كل شبر من أرضنا وكل شعبنا باختلاف أطيافه، ما لم يتآزر هذا الشعب ويتحرك كما يفعل اليوم من شماله الى جنوبه لإنقاذ وجوده ووجود بلده مع كل مقاوم وكل حركة وفصيل يريد أخراج قوات الاحتلال وأصدقائهم ووكلائهم الى الأبد.

' كاتبة عراقية