TADHAMUN تـضـامـن

Tadhamun (solidarity) is an Iraqi women organization, standing by Iraqi women's struggle against sectarian politics in Iraq. Fighting for equal citizenship across ethnicities and religions, for human rights, and gender equality.

جمعية تضامن تدعم المساواة في المواطنة بغض النظر عن الأنتماء الأثني أو الديني وتسعى من أجل العدالة الأجتماعية و حماية حقوق الأنسان في العراق
Showing posts with label Resistance. Show all posts
Showing posts with label Resistance. Show all posts

Friday, January 4, 2013

اهمية توثيق مسار المقاومة العراقية

هيفاء زنكنة
2012-12-21
لقد عانت المقاومة العراقية الباسلة منذ الايام الاولى للاحتلال الانكلو- امريكي، في آذار / مارس 2003، من الكثير من التشويه والتضليل والتهم الجاهزة. ولاتزال تعاني من كيل الاتهامات ذاتها حتى اليوم. من بين الاتهامات ما هو عالمي وما هو محلي. فتهمة 'الارهاب' التي الصقت لصقا بالمقاومة العراقية عالمية، جاهزة، استنبطتها قريحة الادارة الامريكية لتبرير شن الحرب على اية جهة لاتسايرها، ولشرعنة دورها كقوة ردع استباقية في العالم. اما الاتهامات المحلية التي ساعد على ترويجها مستخدمو الاحتلال، فهي على غرار 'ازلام النظام البائد'، و'صداميون'، و'وهابيون' و'القاعدة'. ومع وجود اجهزة اعلام مدفوعة الأجر بالاختلاسات المالية وعمولات الصفقات بالملايين واختفاء المليارات، لاعجب ان تكرر الصحافة وكل اجهزة الاعلام الصورة المشوهة للمقاومة وتنكر وجودها او تطمس دورها الفعلي في اجبار قوات الاحتلال على الجلاء. 
ازاء هذه التعمية عن وجود واحدة من اكثر صفحات العراق المعاصر اشراقا وتضحية ودفاعا عن كرامة المواطن، تنبع حاجة حقيقية لتوثيق يوميات المقاومة والمقاومين الذين دفعوا حياتهم (ولايزالون) ثمنا للتخلص من هيمنة المحتل الاجنبي وحكوماته الطائفية الفاسدة. وقد قام عدد من الكتاب والصحافيين والباحثين، بين الحين والآخر، بمحاولة توثيق مسار المقاومة منذ ايامها الاولى. كما لجأ البعض الى سرد شهادات لقلة من المقاتلين، وهي شهادات، على اهميتها، لا تمنح الباحث المتابع ما يساعده على استشراف الصورة كاملة او التوصل الى الحقيقة وهو هدف يتطلب جهدا كبيرا وشهادات كثيرين من المقاومين من مختلف الفصائل التي ساعدت على ابقاء المقاومة حية لتوجه الضربات المتتالية الى العدو. خاصة وان للمقاومة العراقية، كما يذكر الباحث خالد المعيني 'خصوصية معينة؛ فكافة تجارب العالم السابقة انطلقت وهي تخضع لنظام دولي خاص أتيح لها حاضنة دولية كما هو الحال في المقاومة الفيتنامية والجزائرية والكورية وما إلى ذلك، ولكن المقاومة العراقية لها وضع خاص إنها تقاتل القطب الأوحد في العالم وبدون أي حاضنة دولية أو عربية أو إسلامية أو إقليمية عدا التعاطف الشعبي'. ويركز الباحث العسكري مهند العزاوي على تغيير سياسة القيادة العسكرية الأمريكية في العراق واستخدامها 'إستراتيجية 'الهندسة المعكوسة' التي تجعل المدني والمقاتل جميعهم أعداء، وباستخدام قانون مكافحة الإرهاب وعبر شبكة سجون ومعتقلات حكومية سرية وعلنية، ويمارس هذا التكتيك كوسيلة لأشغال الشعب بالقمع والترهيب والتعذيب'. وفي مجال توثيق مسار المقاومة، قامت 'قناة الرافدين' العراقية، خلال الشهر الحالي، بتقديم برنامج، عن المقاومة، اجرى فيه رافع الفلاحي، مقابلة مع مثنى حارث الضاري، مسؤول قسم الثقافة والاعلام في هيئة علماء المسلمين وأن اكد الفلاحي بان ضيفه لا يتحدث ضمن هذا الاطار بل لكونه شاهدا ومتابعا وموثقا لقضية المقاومة التي منحت الشعب الامل والقوة على مواصلة النضال ضد المحتل. 
وتنبع اهمية البرنامج بحلقتيه الاولى والثانية وهناك ما يشير الى وجود حلقات اخرى، من انه يمنح الشاهد/ الباحث مساحة كافية للحديث عن تجربته وتفاصيل متابعته للاحداث داخل العراق التي بدأت في فترة اعداد الولايات المتحدة وغيرها من 'دول التحالف' للغزو. وقد قام مثنى حارث بتقديم شهادته التفصيلية بلغة بسيطة خالية من جعجعة الادعاء والتضخيم التي، غالبا، ما تدفع المشاهد الى تفادي برامج كهذه لفرط الاستعراضات البطولية. ويلاحظ، في الوقت نفسه، ابتعاده الكلي عن الادعاء بانه كان جزءا من فصيل المقاومة الوحيد في الميدان كما تميز بالحديث باعتزاز وفخر عن ادوار المقاومين ممن ضحوا بحياتهم دفاعا عن الوطن وعن كرمة وعزة الشعب. مشيرا بالاسماء والامثلة الى بطولة الناس العاديين وقوتهم الداخلية التي جعلتهم لا يترددون في مواجهة اعتى الاسلحة واكثرها فتكا بابسط الاسلحة المتوفرة. هناك مثلا حاج حمزة الذي هجم على دبابة امريكية بخنجره. كما قدم مثنى حارث سردا تاريخيا عن الاتصالات التي جرت بين الجهات المختلفة للتنسيق قبل الغزو، حول الاشكاليات التي واجهت من كانوا يتهيئون للدفاع عن الوطن في حال الغزو ولعل اهمها محاولة البعض الخلط ما بين الدفاع عن الوطن والدفاع عن النظام، بالاضافة الى موقف البعض المنادي بقبول المحتل وانتظار ماسيحدث، وهي وجهة النظر التي قوبلت بالرفض الشديد من قبل معظم المجتمعين سواء داخل او خارج العراق. هناك توثيق للحظات المقاومة الاولى، البناء التدريجي لفكرة المقاومة، جرح احد المقاومين واستشهاده، صدور الفتاوي الداعية الى المقاومة واعتبارها ' فرض عين'، ومناقشات الشباب داخل المساجد. ولا يكتفي مثنى حارث بتقديم شهادته عن المقاومة في المنطقة التي كان يقطنها وهي منطقة ابو غريب قرب بغداد، بل ينتقل لتقديم صور المقاومة في عموم العراق ساردا باعتزاز الافعال البطولية للمقاومين وقوات الجيش في العديد من المدن بدأ بأم قصر والبصرة والناصرية وبقية الطرق الى مشارف بغداد .
وتضيء المقابلة جوانب ومناقشات قلما يشار اليها مثل شيوع استخدام مصطلح المقاومة وليس الجهاد فحسب، وامكانية مواجهة قوات عاتية عسكريا بلا سلاح وما هو الموقف من دعاة الاستسلام؟ 
ان كتابة تاريخ المقاومة، وهي لاتزال مستمرة، ليست مهمة سهلة، خاصة وان معارك بطولية كاملة انتهت بتضحية المقاومين بأنفسهم ولجوء قوات الاحتلال الى القصف والقتل الجماعي ادت الى غياب الشهود. لذلك، من الضروري ومن الواجب تدوين افعال المقاومة مهما كان حجمها. ان تدوين افعال المقاومة هو استمرار لفعل المقاومة المسلحة نفسها بالاضافة الى اشكال المقاومة الاخرى. وهو امتداد طبيعي اذا ما اردنا الا يقوم المحتل بكتابة تاريخنا كما يريده هو وبمنظوره ليسلبنا حق بناء الذاكرة الجماعية. وهي جريمة طالما ارتكبها الغزاة ليكتب التاريخ وفقا لمنظور المحتل والمتعاونين معه واجهزة اعلامهم التضليلية مع الاهمال الكلي او محو صفحات المقاومة التي خطها المقاومون بدمائهم. وهو ما يشير اليه الروائي اللبناني أمين معلوف في كتابه 'الحروب الصليبية كما رآها العرب'. اذ اقتصرت سردية 'الحروب الصليبية' وكتابة تاريخها وتحليلها على الصورة المنتقاة التي قدمها الغزاة وتم الترويج لها في الغرب فعمد امين معلوف الى تقديم 'صورة مقابلة تركها المؤرخون العرب'، ولم تعرف طريقها الى عموم الجمهور ولم يتح للصوت العربي ان يسمع استنادا الى توثيقه من قبله هو. 
لقد كشفت وثائق ويكليكس بعض الجوانب الخفية لعمليات المحتل الوحشية ضد المواطنين ومحاولات المقاومين التصدي لها. لكن اللغة العسكرية الخاصة وكثرة الرموز تجعل تشفيرها وقراءتها مهمة صعبة المنال، وهنا تأتي اهمية التدوين التوثيقي وتسجيل الشهادات وعدم الاكتفاء بالسرد الشفهي. نحن بحاجة، من بين ما نفعل في هذا المجال، لتشجيع الشباب، وحتى الطالبات والطلبة، على تسجيل الأحداث التي شهدها الكبار في عوائلهم ومحلاتهم، وجمع الصور والخرائط والقصاصات، والإستفادة حسب الممكن من تحميل هذه على الإنترنت، أو حفظها في أكثر من مكان إذا كان هناك داع للسرية. وسيسمح الزمن بتدقيق هذه وغربلتها، لكن البداية هي في تسجيل التأريخ المحلي، و جمع ما سيغربل. ولا شك أن ظروفنا تسمح بأن لا تعاد دورات إستمرت مئات السنين قام فيها كل جيل من العراقيين وغيرهم في منطقتنا بحرق تراث الجيل السابق من كتب وأوراق، تفاديا لإنتقام الحكام. 
فالتوثيق هو ذاكرة الشعوب الجماعية وما تحمله من موروث ثقافي وحضاري يساعد على فهم احداث الماضي وتطويرها او تجاوزها او البناء عليها. انه اداة العثور على الحقيقة وردم القطيعة المعرفية ما بين الاجيال فضلا عن كونه الأداة التي ستبقي على المقاومة، عراقية، باسلة، مهما حاول الاحتلال وحكوماته الطائفية مسح كل ما هو عراقي فيها. 

' كاتبة من العراق

Friday, December 28, 2012

سلام عليك ايتها العراقية وانت تواصلين البقاء والمقاومة


هيفاء زنكنة
2012-11-30
يمر اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة على المرأة العراقية كالقطار العابر للمحطات المهجورة. فلا الانوار مضاءة في المحطة ولا الارصفة مأهولة. صوتها يرتطم بالفراغ فلا صدى. المرأة العراقية، هل تتذكرونها؟ المرأة التي كانت عزة العراق ورمز كبريائه. المرأة التي ساهمت ببناء وطن أملت ان يكون لكل الابناء. المرأة التي عاشت سنوات الحصار عزيزة النفس غير خانعة. المرأة التي استخدمتها الادارة الامريكية ومؤيديها من ساسة النظام الحالي، كسبب 'انساني' لتبرير غزو العراق واحتلاله وتخريبه بعد اكذوبة اسلحة الدمار الشامل. كيف تتذكرونها؟ هل هي التي تحدث عنها بول بريمر، حاكم الاحتلال العسكري الامريكي، رئيس سلطة الائتلاف المؤقتة، القائل في 2 ايلول/ سبتمبر 2003، قائلا: 
'الشعب العراقي حر الآن، وليس لديه ما يدعو للقلق من الشرطة السرية القادمة لالقاء القبض عليه في منتصف الليل، وليس هناك ما يدعو النساء للقلق على أزواجهن وإخوانهن الذين يلقى القبض عليهم ثم يقتلون. وليس من داع لقلق الرجال على زوجاتهم اللواتي يتم اقتيادهن الى غرف الاغتصاب.
تلك الأيام قد ولت. ' أم انها من خاطبها الرئيس الامريكي السابق جورج بوش، بـ'انسانية' وسعى لـ 'تحريرها'، كما قال، في يوم عالمي آخر، حول 'الجهود الرامية إلى تعزيز حقوق المرأة على الصعيد العالمي ' في 12 آذار/ مارس 2004: 'كل امرأة في العراق أفضل حالا لأن غرف الاغتصاب وغرف التعذيب تحت نظام صدام حسين أغلقت إلى الأبد '. ولئلا ادخل في سرد يؤرخ للانتهاكات والجرائم والمداهمات والتعذيب والاغتصاب الموثق للنساء والرجال معا (هل هو الهدف الجديد للمساواة؟) في ظل حكومات الاحتلال المتعاقبة واطولها عمرا نظام حزب الدعوة الطائفي برئاسة نوري المالكي و'رئيس الجمهورية' جلال طالباني، ساشير الى تقرير منظمة تقرير هيومن رايتس ووتش، لعام 2011، وهو واحد من مئات التقارير الدولية، والذي جاء فيه ذكر حقيقة لايتطرق اليها الشك وهي: 'تنتهك حقوق المواطنين العراقيين الأكثر ضعفا، لا سيما النساء والمحتجزين، مع الإفلات من العقاب'. 
كما ذكرت منظمة العفو الدولية في تقريرها الصادر في 12 أيلول 2011، ان هناك ما لا يقل عن 30 ألف معتقل في السجون العراقية لم تصدر بحقهم أحكام قضائية، معرضين للتعذيب وسوء المعاملة، من بينهم نساء. ولم يعد خافيا على احد كيفية معاملة النساء في معتقلات نظام حزب الدعوة بحيث صارت رائحة التعذيب النتنة وممارسة الجلادين تستدعي 'استنكار وادانة' بعض المشاركين في العملية السياسية. ولننظر الى احداث اسبوع واحد ذات علاقة بانتهاكات حقوق المراة. ففي يوم 26 نوفمبر، اتهم القيادي في القائمة العراقية حامد المطلك، الأجهزة الأمنية باغتصاب وتعذيب سجينات عراقيات، واصفا الحال بانه 'أخزى' من أفعال الأميركيين في سجن أبو غريب، وأن 'هناك حملة لاعتقال النساء بدلا من أزواجهن أو إخوانهن عن طريق المخبر السري وبتهمة أربعة إرهاب'. وأضاف المطلك في مؤتمر صحافي أن '12 امرأة اعتقلت في منطقة التاجي، في الثالث من الشهر الحالي، بينهن صبيتان أحداهن تبلغ من العمر 11 عاما وأخرى 12'. مؤكداً تسجيل وفيات جراء التعذيب شملت نساء ورجالاً وأطفالاً.
والمفارقة المبكية في تصريح 'القيادي' هو تحذيره من انعكاس الافعال (يعني اعتقال وتعذيب واغتصاب الفتيات) 'سلبا على مشروع الوحدة الوطنية'! مشروع الوحدة الوطنية! مما يدفعنا الى التساؤل عما يتناوله ساسة النظام لينطقوا بكذا تصريحات بدلا من اعلان الانسحاب من عملية سياسية لوثت منذ تأسيسها كل القيم الاخلاقية والانسانية المتعارف عليها؟ 
وقبله بيومين، في 24 تشرين الثاني / نوفمبر، كشف النائب أحمد العلواني المنتمي الى ذات القائمة الهمامة، تعرض نزيلات في عدد من السجون العراقية إلى حالات 'اغتصاب' من قبل محققين لانتزاع اعترافات قسرية. وبدلا من ان يستقيل النائب الجسور بعد اطلاعه على هذه الجرائم البشعة والتي لو اصابت مواطنا واحدا في بلد ديمقراطي حقا لأسقطت الحكومة بكاملها، أكد أن قائمته ستطلب من رئاسة البرلمان تشكيل لجنة لمتابعة هذه القضية. فالف مبروك للمرأة على تشكيل اللجنة (هل سمع احد بنتيجة تحقيق احدى اللجان حتى اليوم؟) وألف مبروك على وجود 'القائمة العراقية' الفخورة بانها، خلافا للاحزاب الطائفية، تضم بين صفوفها ناشطات نسويات مدافعات عن المرأة لا يتقاعسن، يوما، عن حضور محترفات حقوق المرأة والديمقراطية ومشاركتها في الحياة السياسية ووضع الحلول المناسبة لجميع المشكلات!
في ذات اليوم، أصدر مرصد الحريات الصحافية بيانا عن الصحفية صباح حسن، رئيسة تحرير صحيفة 'الرأي الحر' ببغداد، المعتقلة منذ العشرين من فبراير الماضي أي قبل أكثر من عشرة أشهر والتي، حسب ابنتها وتقارير طبية موثقة، تشير الى تعرضها (للتعذيب الوحشي بالضرب والكي بالسجائر عدا عن تعريتها بالكامل والتنكيل بها ونقلها بالبطانية من مديرية الجرائم الكبرى الى سجن تكريت وسط المدينة امام انظار المنتسبين). ويبين الصحافي هادي مرعي جلو، مدير المرصد، نقلا عن ابنة الصحافية المعتقلة: 'إن والدتها تقبع في حال سيئة للغاية بمركز إعتقال يقع جوار وزارة الداخلية العراقية' مطالبا بإطلاق سراحها على الفور والتحقيق مع المتسببين بنسبة الضرر العالية في جسدها. 
وبعده بيوم، في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر، خرجت تظاهرة حاشدة في محافظة الانبار، غرب العراق، احتجاجا على اعتقال امرأة وطالب المتظاهرون الحكومة المركزية باطلاق سراح المرأة وسراح جميع المعتقلات العراقيات في سجون الحكومة وايقاف الانتهاكات التي يتعرضن لها.
واذا ما انتقلنا الى اقليم كردستان فان العديد من الناشطات في مجال حقوق المرأة، من بينهن كزال نجم الدين، في تصريح لها لبي يوكي ميديا، يؤكدن ان المجتمع الكوردستاني يشهد قسوة في التعامل مع المرأة تصل الى حد القتل، وتعود الاسباب الى 'عدم جدية واستقلالية الجهات القضائية في مثل هذه القضايا، بالرغم من القوانين والتشريعات التي أصدرها برلمان الاقليم للحد من هذه الظاهرة، الا ان شيئا فعليا وجادا لم يحصل على الاطلاق'. وقد ذكر تقرير اصدره (برنامج العدالة في متناول الجميع ـ وارفن)، المدعوم من قبل الادارة الامريكية، بتاريخ 25 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الحالي، ان هناك، خلال الشهرين السابقين فقط، 19 أمراة قتلت و 55 أمرأة احرقت نفسها وان أكثر من 740 حالة انتحار لنساء أحرقن أنفسهن سجلت خلال الستة أشهر الأولى من العام الحالي فقط!
فما الذي فعله مجلس النواب في 'العراق الديمقراطي الجديد' بعضوية الاسلاميين الطائفيين والشيوعيين والقوميين؟ قدمت لجنة حقوق الإنسان البرلمانية تقريراً اولياً عن المعتقلات في السجون العراقية، مبينة أن 'عدد الموقوفات والمحكومات لغاية يوم 27 نوفمبر في وزارة الداخلية 101 امرأة وفي وزارة العدل 960 امرأة وفي وزارة العمل 69 امراة معتقلة او محكومة... واشارت إلى اعتقال 12 امرأة في منطقة التاجي بضواحي بغداد الشرقية بدلا عن المطلوبين من اقاربهن وتم احتجازهن دون أوامر قضائية'. 
تم اقتراح اصدار بيان بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة. حدثت مشادة كلامية بين النواب حول تضمين حال المعتقلات. رفعت الجلسة تفاديا لتحول المجلس الى حلبة مصارعة جسدية. ثم، كالعادة، انخرط 'شركاء العملية السياسية' في تبادل الاتهامات عبر الفضائيات والتهديد بفتح ملفات الارهاب مقابل المتاجرة بشرف العراقيات. 
من هو المسؤول عن اعتقال وتعذيب المرأة العراقية؟ هل هو الجلاد لوحده أم انه النظام الذي يمنح الجلاد الأذن بالتعذيب والاغتصاب عن طريق عدم المساءلة وعدم تنفيذ القانون. ان الجلاد الموجود في ظلمات المعتقلات السرية والعلنية ومراكز التحقيق التابعة بثلاث وزارات على الاقل ليس شبحا لايعرفه أحد. انه جزء لايتجزأ من نظام يتشدق بوزرائه ونوابه وساسته بحقوق الانسان حتى باتت حقوق الانسان شتيمة مقززة. انها مسؤولية الجميع في النظام. الصامتون والمبررون والمتنازعون اعلاميا. 
وسلام عليك ايتها المرأة، يا مانحة الحياة، يا حفيدة الشاعرة السومرية إنخيدوانا مدونة أقدم أثر أدبي معروف في التاريخ الإنساني. يا من خاطبت الآلهة، واقفة على قدم المساواة معها، متسائلة 'من يستطيع أن يهدّئ قلبكِ الغاضب'. سلام عليك وانت تواصلين البقاء والمقاومة. 


Sunday, August 29, 2010

المقاومة والتغيرات الاجتماعية من فلسطين الى العراق

هيفاء زنكنة
2010-08-27


يدور النقاش بين صفوف النسويات الناشطات، بحدة احيانا، ضمن المنظمات النسوية
المختلفة، وهي كثيرة ومتنوعة الاتجاهات، يتركز نشاطها، حول مفاهيم تحرر المرأة وحقوق المرأة وكيفية تحقيق المساواة بينها والرجل على كل المستويات.
وقد رافقت نشأة وسيرورة هذه الحركة ومنظماتها، اختلافات حول المفاهيم وكيفية تحقيقها، ما بين النسويات الناشطات في امريكا واوروبا من جهة والناشطات في 'العالم الثالث' من جهة اخرى. وتلك اختلافات تظهر نتيجة تعرض العالم الثالث لبلاء الاستعمار الغربي وعمله على فرض مفاهيمه قسرا على العالم الثالث، وبضمنها مفاهيمه الخاصة عن 'تحرير المرأة'، التي اعتبرتها مجتمعات العالم الثالث مهددة لوحدة الاسرة وبنية المجتمع فضلا عن تهديدها للهوية الوطنية. ورأتها جزءا لايتجزأ من المنظومة الاستعمارية الهادفة الى التفرقة من خلال عزل قضايا المرأة عن الرجل. فتبنت حركات التحرر الوطني، في الدول الخاضعة للاستعمار ومنها العربية والاسلامية وأفريقيا موقفا، شبه متماثل تقريبا، بهذا الخصوص، ومفاده ان تحرير المرأة مرتبط بمسار التحرر الوطني. هكذا شاركت المرأة العراقية في النضالات الجماهيرية ضد الاستعمار البريطاني وساهمت ببناء العراق الحديث، وهكذا المرأة الفلسطينية منذ عشرينيات القرن الماضي. وللاطلاع على نضال المرأة الفلسطينية كنموذج، ومن خلال شهادات الفلسطينيات اللواتي ساهمن في النضال والبناء وتحقيق المكاسب، ليس هناك افضل من كتاب
'المقاومة والتغيرات الاجتماعية ـ شهادات حية للمرأة الفلسطينية في لبنان (1965ـ1985)'، للباحثة ونائبة رئيسة الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية سابقا، جهان الحلو.
اذ ان كل كلمة وشهادة في الكتاب تشكل درسا وتوثيقا لاغنى عنه. وهو مصدر نادر لانه يوثق في515 صفحة التاريخ، المعرّض للنسيان، للمرأة الفلسطينية في حقبة زمنية مهمة، ويمنحنا، نحن العراقيات، درسا في اهمية التدوين، بعيدا عن التواصل الشفهي، على اهميته. وكما تذكر جهان الحلو لأن 'تاريخ الشعوب قد يكتب عدة مرات او يكتبه المنتصر او المستشرق. وقد تطمس الكثير من الحقائق ان لم يتول كل شعب جمع التجارب والوثائق وتدوين ذلك التاريخ. فينطوي ما ينطوي ويندثر مع من استشهد او غاب من المناضلين'.
وهو درس يبين بدء مشاركة الفلسطينية في المقاومة وما حصلت عليه من خلالها. تقول جهان في المقدمة ملخصة تطور مساهمة المرأة 'لم تكن البدايات سهلة لجماهير النساء فالقيود الاجتماعية كانت تكبل المرأة وتكرس دونيتها، اذ كانت المرأة مضطهدة من الرجل في منظومة من العادات والتقاليد البالية المهينة لانسانيتها... وابتدأت المرأة تأخذ دورها جنبا الى جنب مع الرجل وانتقلت من كونها أما وزوجة وأختا وابنة الى كونها مناضلة في نفس الخندق مع الرجل... كانت المرأة في كل المواقع. تتأقلم مع متطلبات النضال، وفق متطلبات الحاجة واولويات المرحلة... وكذلك اندفعت المرأة للتدرب على السلاح. كما انخرطت في الاراضي المحتلة في العمل ضد الاحتلال الصهيوني'. وتلخص لنا احدى الشهادات اهمية المقاومة واحد الاسباب المهمة التي دفعت المرأة الى الانضمام اليها:
'عندما ظهرت المقاومة فرحنا كثيرا ورفعنا رأسنا. البنات شاركن بالمقاومة لانها رفعت معنويات الشعب الفلسطيني وقد أحسست بكرامتي كامرأة من خلال المقاومة'. وبقيت النسوة يكررن في شهاداتهن مفردات الكرامة والهوية الوطنية وكيف ساهمت المقاومة في 'ابراز الهوية الوطنية وتعزيز الشعور بالكرامة والفخر والثقة بالنفس'.
كما نقرأ في الشهادات (مجموعها 53 شهادة) عن صور رائعة من البطولات والمبادرات 'كيف اخترقت النساء الطريق الخطرة للوصول لتل الزعتر المحاصر. وكيف شاركت عسكريا في المناطق الساخنة في الجنوب وبيروت والشياح وبرج البراجنة وحي السلم وغيرها. نقرأ عن دور النساء في لملمة الجراح بعد اجتياح بيروت واحتلال الجنوب في 1982، وعن بطولات خرافية لعشرات النساء اللواتي استشهدن وهن يحملن الاكل والادوية للمخيم المحاصر. هناك، ايضا، شهادات عن مبادرات النساء في العمل على صمود المقاتلين في تل الزعتر- المية ومية - الشياح، او عن قيام النساء بحرق الخيم التي قدمتها الأونروا لسكان عين الحلوة بعد اجتياح اسرائيل، رفضا لها. وصولا لمعجزة النساء اللواتي اعدن بناء مخيم عين الحلوة. اكبر مخيمات لبنان بعد ان تم تدميره بالكامل من قبل قوات الاحتلال الاسرائيلي'. في الوقت نفسه، وعلى الرغم من كل الصعوبات الاقتصادية والسياسية، ساهمت الام الفلسطينية 'في الحفاظ على الهوية الوطنية والنسيج الاجتماعي وفي الكفاح من اجل العيش المشرف'.
ولا تكتفي المؤلفة بتسجيل الشهادات الساردة للبطولات فحسب بل تطرح سؤالا في غاية الاهمية عن وضع شاهدنا مثيلا له في الجزائر اثر التحرير. اذ تمت اعادة المرأة الى موقعها السابق لمرحلة المشاركة في النضال، بدلا من تحويل المكتسبات التي احرزتها وهي تقاتل جنبا الى جنب مع الرجل الى تشريعات قانونية توفر لها المساواة. وانكر عليها الدور القيادي الذي يمكنها من المساهمة في التغيير. تتساءل جهان الحلو: لماذا بقيت المرأة في الظل ولم تصل موقع القيادة، لماذا حرمت من حقها في المشاركة السياسية المتناسبة مع أهمية دورها؟ تطرح الباحثة في تحليلها جملة اسباب يمكن تلخيصها بغياب الرؤية الثورية للتغير الاجتماعي لبناء مجتمع قائم على العدل والمساواة. وأنه لم يتم طرح اية قضية لها علاقة مباشرة بالمضمون الاجتماعي من قبل منظمة التحرير بالاضافة الى الفترة القصيرة في عمر المقاومة والمليئة بالتحديات وكون هذا الموضوع، برأيهم، يعالج بعد التحرير.
كما لم يطرح اي من التنظيمات برنامجا خاصا بالمرأة وبقضايا الاسرة وبقانون الاحوال الشخصية، وكأن قضية المساواة بين المرأة والرجل قضية مسلم بها! وعندما تم تقديم وثيقة لحقوق المرأة لم تناقش بذريعة 'القضايا السياسية الساخنة' و'اولوية ترتيب البيت الفلسطيني' واعتبرت الوثيقة من الكماليات. وقد سادت الفوضى، احيانا، 'في ظروف الحرب الاهلية في لبنان وسيطرة سلطة الثورة. وكأنه لا مرجعية لضبط الامور بما الحق الظلم بالزوجة والاطفال وحاول بعض الرجال التنصل من مسؤولياتهم والتزاماتهم بدفع النفقة او السماح للزوجة بحضانة الاطفال'. وتشير احدى الشهادات الى ان النساء انفسهن لم يكن يمتلكن رؤية مستقبلية واضحة بسبب الوضع الأمني الخطر، اذ جاء في الشهادة: 'لم يتح لنا وجودنا الدائم في مرمى نيران العدو ترف مسألة استلاب المرأة وقضية تحريرها ورغم ان المسألة طرحت نفسها علينا منذ البداية الا ان الآراء كانت متباينة بين النساء انفسهن'. وهي أشكالية كبيرة ومعقدة عانت منها معظم حركات التحرير الوطنية.
وما هو دور الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية الذي عرفه العالم وجها للمرأة الفلسطينية؟ هناك الايجابيات والمعوقات المتداخلة في معظم الاحيان. لقد حاول الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية في مؤتمره الثاني اضافة قضية الربط بين قضية التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي غير انه لم يبلور برنامجا محددا للقضايا الاجتماعية.
وكان لفرع لبنان، موقعه الخاص بحكم قربه من 'حركة تحرير المرأة العالمية وخاصة تلك التي بدأت تؤكد على اهمية ربط قضايا تحرر المرأة بالقضايا السياسية وقضايا المجتمع. لكن الاتحاد رفض صيغ الحركات الانثوية البحت وخاصة تلك التي ركزت نضالها آنذاك ضد الرجل كونه رأس الهرم البطريركي'. ولم يكن موقف عضوات الاتحاد واحدا من قضية تحرر المرأة وذلك لانتمائهن الى خلفيات ايديولوجية وثقافية مختلفة انعكست بدورها على مسار عمل الاتحاد فاليساريات، مثلا، كن 'يؤمن ان اضطهاد المرأة ثلاثي الابعاد: الاضطهاد الوطني والذكوري نتيجة النظام البطريركي والاضطهاد الطبقي. فيما النساء الليبراليات لم يؤمن بالاضطهاد الطبقي ولا يعني انه ضمن الاتجاهات الليبرالية كان هناك تجانس كامل فهناك من اراد الالتزام بالشرائع السماوية وهناك من اراد فتح باب الاجتهاد بحيث تكون هناك مساواة بالارث بين المراة والرجل. ومما لاشك فيه ان تنفيذ الاتحاد لنشاطات تتعلق باهداف الامم المتحدة لسنة المرأة عام 1975 و'عقد المرأة' في السنين العشر التالية والمشاركة بفعالية مؤتمراتها قد ساهم بتطوير وعي المرأة لقضيتها ولحقوقها وباعطائها صوتا داعما'. ومما يجدر ذكره ان اتحاد المرأة كان الاتحاد الفلسطيني الوحيد الذي تحفظ على اتفاقية اوسلو لاحقا، ويعتز الاتحاد بدوره الهام في صدور اول قرار بادانة الصهيونية كحركة عنصرية وذلك في المؤتمر العالمي للمرأة الذي عقدته الامم المتحدة في المكسيك عام 1975 قبل ان تقره الجمعية العامة للامم المتحدة في العام نفسه.
هنا نصل نقطة حرجة، يطرح فيها سؤال نفسه بموازاة الصعوبات الهائلة التي واجهتها الثورة الفلسطينية سواء من قبل العدو او التدخلات السياسية العربية او الانقسامات الداخلية وتصاعد الفساد، السؤال هو: هل كان بامكان منظمة التحرير اتخاذ خطوات لضمان حقوق المرأة ومساعدتها على التقدم السياسي والتنظيمي فضلا عن المجتمعي؟ اكدت العديد من الشهادات على انه كان بامكان المنظمة ' تشريع بعض القوانين او وضع الاسس لتطبيقها فقط على اعضاء المنظمة بحيث تحفظ بعض حقوق المرأة كتعدد الزوجات، وان كان محدودا او معاقبة مرتكبي جرائم 'الشرف' ورفع سن الحضانة... لكن غياب الرؤية الاجتماعية اضعف من امكانية تعزيز التحولات الاجتماعية الموضوعية وقلل من امكانية دعم تحرر المراة وتحويل المكتسبات الى قوانين. فالقيادة البراغماتية كانت تتفادى ماسماه ابو عمار
'معارك جانبية' او 'مابدي أطفش (أهرب) المقاتلين' كما قالت احداهن او كما علقت اخرى 'عدم رغبة القيادة باستفزاز الرجعيين والمحافظين الذين يدعمون الثورة'. فلا عجب ان تفقد المنظمة، تدريجيا، ثقة المناضلات وابتعادهن عنها. فعدم اتخاذ القرارات العادلة، حتى في أكثر لحظات النضال مع العدو خطورة، غالبا ما يؤدي الى الأحباط وفقدان الثقة بعدالة القضية.
اذ ان تحقيق العدالة واتخاذ موقف حاسم من المتجاوزين على الحقوق ليست مسألة خاضعة للتوقيتات التكتيكية. انها مسألة مبدئية لا تقبل التأجيل مهما كانت الذرائع صحيحة في حينها. وتخلص جهان الحلو الى ان 'عملية تحرير المرأة تبقى مجتزأة ومحدودة ولايمكن ان تشمل كافة الجماهير النسائية الا مع تطور المسار التحرري العام، فهي ترتبط عضويا بمسار الكفاح الوطني والمضامين الاجتماعية المرافقة له'.
ان قراءة تجارب حركات التحرر، بنجاحاتها واخفاقاتها، تساعدنا على محاولة فهم مرحلة التحرر العراقية الراهنة. وتعلمنا تجربة المرأة الفلسطينية التي ذاقت طعم الاحتلال والمنفى على مدى عقود، إهمية أن تنتبه الحركة الوطنية للمحتوى الاجتماعي وبضمنه حقوق المرأة وحقوق الانسان وحقوق الأقليات، والتصدي للفساد والظلم، دائما وكمبدأ لا يقبل التأجيل، وعدم تغطيته بأولويات المعركة. لقد أدى تأجيل تحقيق العدالة والسكوت على خروقات الحقوق والفساد المالي والمحسوبية والمنسوبية، الى احتضار العديد من الحركات الثورية والتحررية، أو اختزالها الى هياكل تضاهي في قمعها لمواطنيها العدو الخارجي الذي نشأت لتحاربه. لذلك، تواجه المرأة المنغمرة في جبهة النضال المناهضة للاحتلال والاستعمار، فلسطينية كانت ام عراقية، معوقات جسيمة وان اثبتت السنوات الطوال قدرتها على الصمود ومواصلة النضال لتحقيق هدف واحد، لايمكن تجزئته، وهو ان يتحرر وطنها وتنال حقوقها كاملة.

' كاتبة من العراق



Wednesday, August 25, 2010

في العراق تكتمل مقاومة حزب الله


بقلم: نقولا ناصر

كان زعيم حزب الله اللبناني السيد حسن نصر الله واحدا من الخمسين شخصية الأكثر تأثيرا في العالم الإسلامي بحسب كتاب "أكثر 500 شخصية مسلمة لعام 2009" الذي حرره مدير مركز الوليد بن طلال بجامعة جورج تاون الأميركية، د. جون اسبوزيتو، وأصدره المركز الملكي للبحوث والدراسات الإسلامية بعمان أواخر العام المنصرم. وحزب الله لا يخفي بل يعلن بفخر أنه شيعي الهوية وشيعي الانتماء ولاؤه لولاية الفقيه الإيرانية، لكن نصر الله سبق له أن تحدى بأن يأتيه أحد بأي تصريح "طائفي" للحزب أو قادته منذ عام 1982. وشعبية الحزب وزعيمه مستمدة من تأييد إسلامي "غير شيعي" في معظمه وقومي عربي واسع معاد للاحتلالين الإسرائيلي والأميركي في فلسطين وسوريا ولبنان والعراق وأفغانستان، يتجاوز أي انتماء طائفي للحزب ومؤيديه على حد سواء، لأن الحزب مطلوب رأسه للاحتلالين.

لكن إذا كانت مقاومة الحزب للاحتلال الإسرائيلي تبدو لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ولا من أمامها، فإن مؤيديه هؤلاء أنفسهم ما زالوا يتساءلون مع أستاذ العلوم السياسية بجامعة كاليفورنيا الأميركية اللبناني الأصل د. اسعد أبو خليل: "هل هناك من يستطيع أن يشرح بوضوح موقف الحزب من الحرب والاحتلال الأميركي للعراق؟" وهو سؤال يوحي بأن مقاومة الحزب سوف تظل مجروحة ومنقوصة لا تكتمل صدقيتها إلا في العراق، حيث في العراق فقط يمكن للحزب أن ينفي الاتهامات الموجهة له بأنه محكوم بسقف طائفي في نهاية المطاف.

إن مقاومة حزب الله في لبنان لن تكتمل إلا بدعم نظيرتها العراقية، فهذا هو الوضع الطبيعي والمنطقي السليم إذا كان العدو واحدا حقا، لكن هذا العدو لا يبدو واحدا في العراق طالما ظل موقف الحزب من غزو العراق واحتلاله غامضا وملتبسا ومبهما ومتكتما ومتناقضا، ف"أميركا العراقية" تبدو بهذا الموقف جديرة إما بالشراكة على الطريقة الإيرانية أو بالموالاة على طريقة الطائفية الحاكمة في بغداد وتبدو مختلفة عن أميركا اللبنانية أو الفلسطينية، غير أن حزب الله يدرك قبل غيره أن أميركا واحدة ومشروعها الإقليمي واحد في كل مكان من المنطقة، وسوف يظل السند "السني" والقومي العربي لحزب الله الذي منحه ومقاومته وزعيمه مكانة استحقوها بجدارة بانتظار أن يثبتوا في العراق أنهم ليسوا محكومين بسقف طائفي، أو إيراني.

والمفارقة أن شعبية الحزب وزعيمه هي شعبية إسلامية "سنية"، وقومية عربية، أكثر مما هي شيعية. فعندما يستعرض المراقب أسماء شيوخ أعلام مثل إبراهيم زيد الكيلاني (الأردن) ومحمد سعيد البوطي (سوريا) وعلي جمعة (مصر) وراشد الغنوشي (تونس) وعلي بلحاج (الجزائر) وغيرهم من العلماء الأفاضل ممن أعربوا عن احترامهم وتقديرهم للسيد نصر لله، ويستعرض أسماء الأحزاب والقوى القومية العربية التي تدافع عنه من المحيط إلى الخليج، فإن المراقب في الوقت نفسه يسجل لكل هؤلاء موقفا واضحا قاطعا كحد السيف ضد الحرب الأميركية المتواصلة على العراق ودعما للمقاومة العراقية للغزو والاحتلال الأميركي، لكن حزب الله لا يقابلهم بالمثل، ليكون موقفه هذا مدعاة لانتقادات مؤيدي الحزب وزعيمه (المهندس ليث شبيلات في الأردن مثالا).

وهكذا يظل قول د. أبو خليل إن "حزب الله يتعامل مع الموضوع العراقي بكثير من الالتباس والإبهام والتكتم والتقية" مدخلا لرموز وقوى إسلامية وعربية، رسمية وغير رسمية، لكي تناهض الحزب، ليس بسبب انتمائه الطائفي، بل بسبب السقف الطائفي الذي يحكم موقف الحزب عمليا من احتلال العراق، وبسبب عجز الحزب وزعيمه حتى الآن عن الفصل بين ولائه الديني لولي الفقيه الإيراني (وهو ولاء لا يجادل فيه أحد أكثر من أبناء الطائفة الكريمة نفسها ومنهم أعلام لبنانيون بل وقادة سابقون لحزب الله نفسه، وإلا لجادل في ولاء البطريرك نصر الله صفير للفاتيكان أو ولاء السلفية لمرجعياتها، إلخ.) وبين جدول أعمال الدولة الإيرانية في العراق الذي يتقاطع حد التماهي استراتيجيا مع جدول أعمال الاحتلال الأميركي والاختلاف معه تكتيكيا فقط، بكل ما يعنيه ذلك من مضاعفات على الأمن العربي والأمن الوطني للدول العربية المعنية.

* مفارقات

فعلى سبيل المثال، لا يسع المراقب إلا أن يلاحظ بيان حزب الله في السابع من كانون الثاني / يناير الماضي الذي أدان تصريحات للشيخ السعودي محمد العريفي لأنه هاجم آية الله العظمى السيد علي السيستاني بسبب إصرار المتمردين الحوثيين في اليمن على أن يكون السيستاني هو الوسيط في حل نزاعهم مع الحكومة اليمنية، واعتبر بيان الحزب أن ما قاله العريفي "نال فيه من الطائفة الإسلامية الشيعية وعقيدتها وتاريخها"، ليقارن المراقب هذا البيان بما جاء في مقال نشرته صحيفة "البصائر" التي تصدرها هيئة علماء المسلمين في العراق في 25 جزيران / يونيو 2008: "لم نسمع أي إدانة او استنكار من حسن نصر الله عندما أحرقت المليشيات الطائفية أكثر من ثلاثمائة مسجد وقتلت أئمتها ومؤذنيها ومثلت بجثثهم.. في حين أنه خرج علينا بخطاب ناري عندما اغتيل رئيس مجلس الحكم عز الدين سليم، ووصف قاتليه بالارهاب والاجرام .. رغم ان عز الدين سليم كان رمزا من رموز العملية السياسية تحت مظلة السيد الاميركي"، وقد قتل سليم، زعيم حزب الدعوة، في 17/5/2004، أي في العام التالي للغزو الأميركي، أثناء مناوبته الشهرية على رئاسة مجلس الحكم الذي كان يأتمر مباشرة بأمر بول بريمر، الحاكم المدني للاحتلال الأميركي.

وإذا كان حزب الله يسوغ دفاعه عن أركان الحكومة الحالية في المنطقة الخضراء ببغداد باعتبارها حكومة "شرعية منتخبة" فإن دفاعه عن رئيس مجلس حكم عينه الاحتلال لا تفسير له سوى أن موقف الحزب من العراق تحت الاحتلال محكوم فعلا بسقف طائفي، أو إيراني.

أليست مفارقة لافتة للنظر أن يلتقي الحزب في اعترافه بشرعية "العملية السياسية" التي هندسها الاحتلال الأميركي في العراق مع اعتراف الاحتلال بشرعيتها، ويلتقي في ذلك أيضا مع دول عربية تعترف بشرعيتها طالما يكرر الحزب انتقاده لتحالفها أو لصداقتها مع الولايات المتحدة التي تستهدفه شخصيا وتصنف حزبه إرهابيا؟

أليست مفارقة لافتة للنظر أن يكون الحزب في مواجهة مع أميركا ومع حلفائها في لبنان بينما يعترف بحكومتها في العراق ويتحالف مع حلفاء لها حاكمين بحماية حرابها في بغداد تسميهم المقاومة العراقية "عملاء"؟

أليست مفارقة لافتة للنظر أن يدعو الحزب إلى مقاومة الهيمنة الأميركية على المنطقة ويدعو إلى مقاومتها في كل العواصم العربية إلا في بغداد التي حولتها الهيمنة الأميركية إلى قاعدة رئيسية ثانية بعد فلسطين المحتلة تنطلق منها لفرض ترتيباتها الاقليمية الأمنية والسياسية؟

أليست مفارقة لافتة للنظر أن ينتقد الحزب وزعيمه علماء للمسلمين بدعوى ارتباطهم بحكومات وحكام عرب يعملون ضمن "المشروع الأميركي" في المنطقة ثم يدافع عن آية الله السيستاني الذي يمثل مرجعية لقادة دينيين وأحزاب إسلامية كالدعوة والتيار الصدري والمجلس الأعلى والعديد غيرها من الأحزاب التي أوصلتها دبابات الغزو الأميركي إلى بغداد لتقيم فيها نظاما يعمل كوكيل محلي للاحتلال الأميركي، والذي ما زال الشعب العراقي ينتظر فتواه التي لم تصدر بالدعوة إلى الجهاد ضد المحتل حتى الآن، مما جرأ عليه رئيس دولة الاحتلال الأميركي باراك أوباما حد أن يبعث إليه برسالة مؤخرا ليستعين بمرجعيته في إنقاذ "العملية السياسية" الأميركية في بغداد تسهيلا لإعادة انتشار قوات الاحتلال بين العراق وبين أفغانستان، وهي رسالة وصفها أزهر الخفاجي، أحد إعلاميي النظام المنبثق عن الاحتلال، بأنها "خرجت عن حدود اللياقة" لأنها "تدخل مفضوح في عمل المرجعية العليا في العراق"، مع أن القيادي في حزب الدعوة وائتلاف "دولة القانون" والناطق باسم رئيس الوزراء نوري المالكي علي الدباغ قد "أشاد" برسالة أوباما للسيستاني، على ذمة قناة المنار الناطقة باسم حزب الله في الثامن من الشهر الجاري؟

* ثغرة بين القول والفعل

إن أحد الأسباب الرئيسية لشعبية السيد حسن نصر الله هو الانسجام بين أقواله وبين أفعاله، فهو يقول ما يفعل ويفعل ما يقول، ومن هنا الأهمية التي تحظى بها خطاباته وتصريحاته. لكن التناقض بين ما يقوله عن العراق وبين الممارسة الفعلية يمثل ثغرة خطيرة في هذه الصدقية المجربة.

فعلى سبيل المثال، حذر السيد نصر الله قبل أشهر من الغزو الأميركي من اندلاع فتنة طائفية في العراق، لكن اصطفاف الحزب إلى جانب القوى الطائفية التي جاء بها الاحتلال وبخاصة منها تلك التي كان لها الباع الأطول في "التطهير الطائفي" الدموي وعلى الأخص في العاصمة العراقية أفرغ تحذيره المبكر من الفتنة الطائفية من محتواه وحول علاقات الحزب مع التيار الصدري ومليشيا "جيش المهدي" التابعة له إلى غلاف صفحته بيضاء لكتاب صفحاته دموية سوداء، وإذا صحت التقارير (مثل تقرير النيويورك تايمز في 24/11/2006) عن تدريب الحزب لمليشيا جيش المهدي في لبنان وفي العراق وفي إيران، فإن الحزب سوف يحتاج ألى جهد كبير ووقت طويل لتبرئة ساحته من المسؤولية عن الجرائم الطائفية والانسانية التي ارتكبها جيش المهدي وفيلق بدر و"فرق الموت" المنبثقة عنهما التي مازالت تولغ في دماء العراقيين.

ومثال آخر، فقد قال السيد: "نحن في حزب الله من الطبيعي أن ننحاز إلى تيار المقاومة في العراق من موقع إيماني وعقائدي وفكري وسياسي وواقعي وتجريبي"، لكن الحزب ما يزال منحازا إلى "العملية السياسية" التي صممها الاحتلال خصيصا من أجل ضرب أي وحدة وطنية عراقية حاضنة للمقاومة بالفتنة الطائفية، حد أن يناشد أدوات الاحتلال في هذه العملية قائلا: "أنتم اليوم أمام الامتحان. هل تسلمون العراق للأميركي أبد الآبدين؟ أم تتخذون الموقف الذي يمليه عليكم دينكم واسلامكم وعروبتكم ووطنيتكم واخلاقكم وانسانيتكم؟"

لم يبد منطق الحزب والسيد في أي يوم من الأيام متهافتا يفتقد كل منطق كما بدا بهذه المناشدة، إذ كيف يمكن لأدوات صنعها الاحتلال ويحميها ويمولها بعد أن استخدمها كطابور خامس أن تستجيب لمناشدة كهذه؟ وهل كان أنطوان لحد سوف يستجيب لمثلها! ومثلما ما زال الشعب العراقي ينتظر فتوى السيستاني بالجهاد ضد الاحتلال فإنه ما زال ينتظر أن يرى ولو حدا أدنى ملموسا من دعم المقاومة اللبنانية التي يقودها حزب الله لمقاومته الوطنية.

والمقاومة العراقية لا تحتاج إلى دعم بالرجال، ففي الشعب العراقي معين لا ينضب من الرجال الرجال، و"مدد القاعدة" من "المقاتلين الأجانب" بمصطلحات الاحتلال خدم الاحتلال أكثر مما خدم المقاومة العراقية، وهي كذلك لا تحتاج إلى الدعم بالسلاح أو إلى "مدربين" من حزب الله، فقد ترك لها الرئيس الراحل صدام حسين من الأسلحة والخبرات العسكرية الوطنية المجربة ما يكفي لاستمرارها حتى زوال الاحتلال وما هو مؤهل لتدريب في الاتجاه الآخر، اللبناني أو الفلسطيني أو غيرهما.

إن رفع حزب الله لغطائه السياسي عن أدوات الاحتلال ورموزه وأدوات الفتنة الطائفية ورموزها في العراق، والفصل بين المقاومة اللبنانية وبين ولائها الديني الذي لا يجادلها أحد إلا في ترجمته السياسية على الأرض، والفصل بين هذه المقاومة وبين جدول أعمال الدولة الإيرانية في العراق، سوف يكون دعما كافيا بالتأكيد، لكن كل ذلك يتطلب أولا من السيد حسن نصر الله أن يعيد النظر في الترجمة السياسية لإعلانه بأنه "جندي من جنود الإمام علي حسيني خامنه اي"، إذ بعدها فقط قد يبدأ المشاهد لقناة المنار، مثلا، في مشاهدة تغطية لنشاطات المقاومة العراقية ضد الاحتلال، ومقابلات مع قادتها ورموزها، ولو لفترات أقصر كثيرا من الوقت الذي تخصصه هذه القناة لتغطية أخبار أدوات الاحتلال في حكومة المنطقة الخضراء ببغداد وأخبار مرجعياتها السياسية والدينية، سنية كانت أم شيعية أم مسيحية أم عربية أم كردية أم قبلية وعشائرية.

* كاتب عربي من فلسطين. -

Tuesday, April 27, 2010

نقد الوعي "النقدي": كردستان-العراق نموذجاً

adabmag.com

أسوأُ ما في الصحافة الثقافية والإعلامِ شبهِ الثقافي هو أن يتصدّى مثقفون عرب، وباسم “الوعي النقدي
الحديث،” للبنى التقليدية المتخلِّفة، والغيبيةِ العربية، والسلطاتِ القومية المستبدّة، والظلامية الإسلامية، واليسارِ الديكتاتوري... لكنّهم لا يلبثون أن يَمْتدحوا الاعتدالَ السعودي والوهّابي والجنبلاطي، والمرونةَ المصرية، والواقعيةَ الفلسطينية، والعقلانيةَ الغربية. هكذا، مثلاً، نقرأ أدونيس ينتقد الهياكلَ “الثابتةَ” والأصولياتِ العربيةَ انتقادًا استشراقيّاً مليئًا بالعموميات والأحادية (على طريقة رافاييل پاتاي أحيانًا)، لكنّه يكرِّس كتابًا كاملاً، اختارَ نصوصَه وقَدَّم له هو والدكتورة خالدة سعيد، في “فكر الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهّاب،” وذلك ضِمْنَ سلسلة “ديوان النهضة: دراسات ونصوص تمثِّل رؤيةً جديدةً للنهضة العربية” (بيروت: دار العلم للملايين، 1983). وهكذا تَحَوَّل أحدُ عتاة الفكر الجامد والثابت، وعلى يد أحدِ رموزِ الحداثة، إلى أحد روّاد النهضة العربية!1 وبالمثل، وإنْ على مستوًى فكريّ أدنى بكثير، نجد شاكر النابلسي، بعد أن طَلّق الماركسيةَ والقوميةَ ثلاثًا، يَمْتدح “شِعْرَ” (نَعَمْ، بكسر الشين) الأمير خالد الفيْصل، بل ويَعُدُّه من “روّاد” الحداثة والفكر العربي.2 وكنتُ في سنةٍ ماضيةٍ قد ذكرتُ كيف تحوَّلَ كثيرٌ من مثقفي الحداثة في لبنان إلى مبخِّرين للماكينة الحريرية، بحيث “جَيَّروا” حداثتَهم وعِلْمهم الكبيرَ في مديح الرئيس الراحل رفيق الحريري، وخليفتِه الشيخ سعد، وصديقِهما الرئيس السنيورة. طبعًا مِنْ حقِّ أيٍّ كان أن يمتدح مَنْ يعتبره أهلاً للمديح؛ ولكنْ أن يصبح الحريري “شاعرَ الأمكنة” على لسان شاعر الحداثة پول شاوول (في برنامج “خلّيك بالبيت” على شاشة المستقبل شتاءَ العام 2005)، وأن يصبح الرئيسُ الراحلُ نفسُه “مثقّفًا ما بعد حداثيًّا” (لو كان حداثيًّا فقط لَفَهِمْنا!) “ذا فكرٍ مركَّبٍ، خلاّقٍ، متعدّدِ الوجوه” على لسانِ مثقفِ “العقل التحوُّلي” والناقدِ التفكيكي لـ “أوهام النخبة” علي حرب (وعلى الشاشة نفسِها)، فذلك ما يَزْرع الشكَّ في النفوس. ولا يهمّ أن يُصوَّب الشكُّ إلى المثقفين أنفسِهم، بل إلى أفكارهمالحداثية التي أَفنَوْا عقودًا في إشاعتها؛ ذلك أنّ مثلَ هذا الشكّ، خلافًا لما توهَّمه مدّاحو السلطة والثبات “الحداثيون،” سينمِّي في عقول القرّاء التفكيرَ الأصوليَّ والفكرَ التقليدي اللذيْن حاربهما أولئك المثقفون (وبتفانٍ أحيانًا) كلَّ ذلك الزمن. تصوَّروا مثلاً حالَ الناس الذين يستمعون إلى أولئك الليبراليين الحداثيين يَمْتدحون “الاعتدالَ” السعودي بعد أنْ كالوا اللعناتِ “للاستبداد البعثي” السوري والعراقي، كيف سيفكِّرون؟ ألن يميلوا، في هذه الحال، إلى تأييد السعودية بدلاً من أفكار الحداثة؟ أو تصوِّروا الناسَ يقرأون مدحًا (وإن ادّعى الموضوعية!) للإمام محمد بن عبد الوهّاب، ألن يفضِّلوا حينَها أن يناصروا الفكرَ الوهّابي بدلاً من الفكر الحداثي؟ فإذا كان الحداثيون التقدُّميون، التحوُّليون التفكيكيون، النقديّون الواعون، يصفِّقون (“موضوعيًّا”!) للوهّابية والحريريةِ والمُباركية... فلماذا لا يميل القرّاءُ “العاديون” إلى الأصلِ الممدوحِ لا إلى النسخةِ المادحة، وإلى المصفَّقِ له لا إلى المصفِّق؟
طبعًا، هذا التحوُّل لم يأتِ وليدَ الساعة الراهنة، بل هو نتيجةٌ لعقودٍ من الهزائم والإحباطات، وعقودٍ من تراجعات اليسار، وعقودٍ من توزيع الجوائز والألقاب والأوسمة والوعود الرسمية والغربية على المثقفين العرب، وعقودٍ من “الاستضافات” العربية والغربية وتذاكرِ الدرجة الأولى وفنادقِ النجوم الخمسة. لكنّه بات يترافق، منذ سنوات أيضًا، مع تنظيرٍ مملٍّ ضدَّ ما يسمِّيه الليبراليون الجددُ بـ “الشعاراتية الفارغة” ـ وهي نفسُها، كما كَتَبَ عزمي بشارة، شعارٌ فارغٌ: إذ ما معنى إسباغُ نعتِ “الاعتدال” على نظامٍ عربيٍّ يتحالف مع جزّارِ العالمِ الأعظم، أي الولاياتِ المتّحدة؛ نظامٍ يَقْمع حقوقَ الإنسان وحقوقَ المرأة والأقليّات وحريَّةَ التعبير؟3 وما هي مصداقيةُ “المعتدلين” و”الواقعيين” و”الپراغماتيين” الذين يُصرُّون على حلِّ الدولتيْن (الفلسطينية والإسرائيلية) رغم أنّ مقوِّماتِ بناء الدولة الفلسطينية على الضفّة وغزّة قد أُبيدتْ إبادةً كاملة بسبب وحشية الكيان الصهيوني بمختلف “أنظمته”؟ وما مصداقيةُ نقّادِ صدّام حسين ومقابرِه الجماعية (وهي مريعةٌ مثلَه) حين يمتدحون الطالباني والبارزاني؟
هنا آتي إلى لبّ الموضوع، إذ إنّ حالةَ كردستان ـ العراق تقدِّم نموذجًا مثاليّاً لفراغ “الشعاراتية الفارغة” نفسِها، ولتناقضِ الليبراليين الجدد (فَلْنُسمِّهم: المحافظين الجدد)، أو ـ بشكلٍ أدقّ ـ لكسلِهِمْ عن تقصّي أوهامِ الديموقراطية (العراقية) الجديدة وإزالة هالةِ الأسطورةِ عنها، بعد أن حَبّروا مئاتِ الأوراق في شتمِ عراقِ صدّام.
* * *
بين 29 نيسان و6 أيار من هذا العام أُقيم “مهرجانُ المدى الثقافي الخامس” في أربيل، عاصمةِ إقليم كردستان ـ العراق. فلم تَبْقَ جريدةٌ لم تُدْعَ إلى هذا المهرجان، وتدفّقت المدائحُ السلطانيةُ لنشاطات المهرجان وراعيه (“الرئيس” جلال الطالباني) ومديرهِ الناشرِ الزميل فخري كريم “الذي يساوي وحدَه ورشةً كاملةً” بحسبِ ما كتب الصديق أحمد بزّون في جريدة السفير.4وباستثناءِ انتقاداتٍ خفيفةٍ من قَبيلِ تذمُّر بعضِ الصحافيين (بزّون) من ضعفِ التنظيم أو خلوِّ شوارعِ كردستان من أيّة ملامح للُّغة العربية، أو انتقاداتٍ أقوى من قَبيلِ تذكيرِ صحافيين آخرين (وائل عبد الفتّاح) بأنّ أسبوعَ المدى الثقافي “أُقيم برعايةِ نظامٍ حَفَرتْ طريقَه الدبّابةُ الأميركيةُ” وبأنّ السيد فخري كريم صادَفَ قبل وضعه الراهن “سنواتٍ من الجدل حول أدوارِه السياسيةِ والثقافيةِ قبل السقوطِ المدوِّي لصدّام،”5 فإنّ التغطيةَ الصحفيةَ والإعلاميةَ لمهرجان المدى أَسْقطتْ فرصةً مهمةً أمام القرّاء لمعرفة واقعِ الحال في كردستان ـ العراق، وواقعِ “المُشْرفين” على الوضعِ الثقافي في العراق ككلّ. وأكثرُ ما عَلِقَ في ذهنِ قرّاءِ الصفحات الثقافية العربية حول المهرجان المذكور هو ضخامتُه (800 مثقف عربي وكردي وأجنبي)، وشمولُه أنواعًا متعددةً من النشاطات (سياسة، اقتصاد، سينما، مسرح، غناء، مَعارض للكتب، فن تشكيلي، أزياء فولكلورية،...)، فضلاً عن ديموقراطيةِ الطالباني ومَرَحِه، والاستقرارِ الأمني في كردستان، وتطوّرِها الاقتصادي. فكأنّ ما فَعَلَه أكثرُ الصحفيين الذين ذهبوا إلى كردستان ـ العراق يُشْبه ما كان يفعله بعضُ المستشرقين السُّيّاح القُدامى: التنزُّه في ربوع الوطن وجبالِه ووديانِه، واستقاء المعلومات من أفواه الحكّام والمسؤولين وأبواقِهم. وهذا لا يَكْشف عن تآمرٍ ثقافيٍّ مسبَّقٍ على الحقيقة (أنا، مثلَكم، سئمتُ الحديثَ عن المؤامرة، لا لأنَّها غيرُ موجودة، بل لأنَّ وجودَها يَفْقأ العيونَ)، بل يَكْشف عن كسلٍ مريعٍ صار “لازمةً” من لوازم الصحافة الثقافية العربية للأسف. هكذا، صار يكفي أن يقرأَ الواحدُ من صحافيينا ومثقّفينا قصيدةً أو اثنتيْن لشاعرٍ كرديّ عظيمٍ مثلِ شيركو بيكه س،6 أو يَحْفظَ كلمةً كرديةً أو اثنتيْن (كـ “كاكا” و”مام”)، أو يطالعَ مقالاً أو اثنيْن عن جرائمِ صدّام، حتى يستطيعَ أن يَحْكم على وضعِ كردستان الراهن... ووضعِ العراقِ بأسره!
أين العقلُ النقدي الذي فَلَقْتُمونا به أيُّها الزملاء النقديون؟
هل تَعْلمون أوضاعَ كردستان حقًّا؟ هل تَعْلمون واقعَ المرأة هناك، وحوادثَ الشرف التي تتعرّض لها؟ هل تَعْلمون واقعَ الموساد (المخابرات الإسرائيلية) هناك؟ هل تَعْلمون أوضاعَ السجون في كردستان؟ حرية التعبير؟ التوقيفات الاعتباطية؟ هل تَعْلمون كيف صارت (إذا صحّ أنّها صارت) كردستانُ “جنةً آمنةً” في العراق؟ هل تَعْلمون وضعَ العراقيين من غير الأكراد هناك؟ هل تَعْلمون مَنْ شجّع صدّامًا على أن يدمِّرَ أقسامًا كبيرةً من كردستان ـ العراق أثناء الحرب العراقية ـ الإيرانية؟ هل تَعْلمون مقدارَ الدمار الذي ألحقه الحزبان الكرديان الأساسيّان بكردستان بعد حرب الخليج سنةَ 1991؟ هل تَعْلمون مَنِ الذي “استدعاه” مسعود البرزاني لسحقِ خصمِه الكردي (الاتحادِ الوطني)، ومع مَنْ “تَعاوَنَ” جلال الطالباني لقتالِ خصمه الكردي (الحزب الديموقراطي)؟ هل تَعْلمون تاريخَ مدير المهرجان الذي امتدحتموه بالقول إنّه “فردٌ يساوي وحدَه ورشةً كاملةً”؟ هل قرأتم شيئًا عن أحوالِ كردستان قبل سفركم إلى واحةِ الديموقراطيةِ هذه، بما في ذلك ما كتبه شخصٌ تحترمونه بلا شكّ هو الشاعرُ الكبير سعدي يوسف؟
أعرف أنّكم مشغولون بأمورٍ يوميةٍ ملحّةٍ أخرى. لذا، قمتُ ببعض القراءات السريعة لملءِ الفراغ الذي خَلّفتُموه، وسأَنْقل هنا شيئًا قليلاً ممّا قرأتُه، لا في وصفه حقيقةً مُطْلقةً، بل على سبيل اكتشافِ جوانبَ أبعدَ من التقارير الصحفية الساذجة التي تُلمِّح إلى التطوّر الاقتصادي في كردستان لمجرّدِ أنّ “الرئيس” الطالباني قال إنّ السليمانية صار فيها ألفُ مليونير بدلاً من ستةٍ أثناء حُكْمِ صدّام،7 وتتغنّى بالديموقراطية لمجرّدِ أنّ الطالباني قال إنّ في العراق “ديموقراطيةً أكثرَ من أيّ بلدٍ آخر” ـ ومن مؤشِّرات هذه الديموقراطية (صدِّقوا أو لا تصدِّقوا) “حقُّ 14 مليون شيعي بعد صدّام... في البكاء!]”. وقد يكون أسوأَ من هذا وذاك أن تَسْكتَ تقاريرُكم الصحافيةُ عن تلطِّي الديموقراطية العراقية ـ الكردية الجديدة، القادمةِ على ظهور الدبّابات الأميركية، برمزٍ شعريِّ كبيرٍ هو المرحوم محمد مهدي الجواهري،8 الذي نُصِّب رمزًا لمهرجان المدى الأخير مع أنَّه سبق أن رَفَضَ الغزوَ الأميركي للعراق عامَ 1991، بل وقال (على ما يروي الكاتبُ العظيم عبد الرحمن منيف) “إنَّه مستعدٌّ لأن يكون ضِمْنَ العشرةِ الأوائلِ لمواجهة الغزوِ على البصرة.”9
* * *
* عن الدور الإسرائيلي في كردستان ـ العراق: في حزيران 2004 كتب الصحافي الأميركي المعروف سيْمور هيرش في مجلةنيويوركر عن تنكّر إسرائيليين في شمال العراق بزيِّ رجالِ أعمال، بهدف تنظيمِ عملاء أكراد يَجْمعون لهم المعلومات، تحضيرًا لعملٍ إسرائيلي ـ أميركي محتمل ضدّ إيران. وفي الصيف الماضي تحدّثتْ هاآرتس الإسرائيلية عن شخصٍ إسرائيلي اسمُه شلومي مايكِلْز (Shlomi Michaels) يَخْضع لتحقيقٍ إسرائيليّ رسميّ بسبب عمله في كردستان من دون ترخيصٍ من السلطات الإسرائيلية. ومؤخّرًا، في 11 نيسان 2007، كَتَبتْ لورا روزِنْ عن تحقيقٍ أجرتْه طوالَ العام الماضي، وتَبيَّن خلالَه أنّ مايكلز وشريكَه داني ياتوم (رئيسَ جهاز الموساد الإسرائيلي السابق) جزءٌ من مجهودٍ كرديّ ـ غربيّ لإعطاءِ الأكراد “مزيدًا من القوة في العراق” ولإعادة إحياء العلاقات الإسرائيلية “بحلفاء أكرادٍ تاريخيين،” وذلك من خلال أعمالِ مشتركة (إسرائيلية ـ غربية ـ كردية) تُطاوِل البنى التحتيةَ والتنميةَ الاقتصاديةَ والمشاريعَ الأمنيةَ. وقد جاء مايكِلْز (بحسب يديعوت أحرنوت الإسرائيلية) بضبّاطٍ إسرائيليين ليدرِّبوا قواتِ الأمن الكردية على “مكافحة الإرهاب” تنظيم القاعدة وخلافها] في مخيّمٍ سريّ (اسمُه.Camp Z) في العراق، مقابلَ “بضعةِ ملايينَ من الدولارات.” لكنّ السلطات التركية (التي عَبَر الإسرائيليون بجوازاتِ سفرهم من أمامها) تنبّهتْ للأمر وأَخْطرت السلطاتِ الإسرائيليةَ، فأَجْرَتْ هذه الأخيرةُ تحقيقاتٍ مع مايكِلْز وغيرِه، بيْد أنّها وافقتْ عمليًّا على إرسال المعدّات الدفاعية والاتصالية إلى كردستان ـ العراق من أجل “تنميةِ وجودٍ لها في المنطقة الكردية.”10
لا يَنْفي ممثِّلو الحكومة الكردية أنفسُهم الوجودَ الإسرائيليَّ عندهم، وإنْ كانوا يَحْصرونه بـ “القطاع الخاصّ” (وكأنّ هذا في ذاته أمرٌ بسيط). وهو ما اعترف به، أمام لورا روزنْ، ابنُ الرئيس جلال الطالباني، ممثِّلُ الحكومةِ الكرديةِ في واشنطن، متبجِّجًا بأنّ كردستان ستكون “البوّابةَ إلى العراق.”
ولكنْ، بوّابةُ مَنْ، نَسْأل؟
أما في أربيل، حيث ذهب الصحفيون العربُ لتغطية مهرجان المدى، فهناك مكتبٌ للموساد، اعترف رئيسُه السابق أليعازر جيزي تسافرير (Eliezer Geizi Tsafrir)، أمام الصحفية روزِنْ، بأنَّه ساعد المخابراتِ الكرديةَ والملاّ مصطفى البارزاني: “فقد تقدّموا #أي الأكرادُ] إلينا، قائلين إنّ أحدًا لا يساعدهم في العالم، وإنّ شعبَنا #الكرديَّ] عانى هو أيضًا #مثلَ اليهود]. فزوَّدناهم #أي الإسرائيليون] بالمدافعِ، والبنادقِ، والمعدّاتِ المضادّةِ للطائرات، وشتّى أنواع المعدّات الأخرى، بل وساعدناهم بأعمالِ الكَوْلَسة (lobbying) أيضًا.” وخَتَمَ تسافرير تصريحَه لروزِنْ بالقول: “الاتصالاتُ بيننا، والتعاطفُ بيننا، ستدوم أجيالاً قادمة!]”
أن تكونَ كردستانُ ـ العراق واحةً للديموقراطية وحقوقِ الإنسان، فذلك ما سنتحقّق من صحّته للتوّ. لكنّها بالتأكيد، وللأسف، ساحةٌ اليومَ لرجالِ الأعمالِ الإسرائيليين وللموسادِ الإسرائيلي (والـ CIA طبعًا) ضدّ بلدانٍ مجاورةٍ، وضدّ الشعبِ العراقي نفسِه.
* حقوق الإنسان (والمرأة) في كردستان ـ العراق: يخصِّص تقريرُ “بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق”(United Nations Assistance Missionfor Iraq) قسمًا مهمّاً لتقصّي حقوقِ الإنسان في المنطقة الشمالية من العراق خلال الشهور الأولى من هذا العام. صَدَر التقريرُ في نيسان 2007 ويتحدّث عن “قلقٍ جدّيّ” (serious concern) حيال حريةِ التعبير، والتوقيفاتِ، وظروفِ المرأةِ في كردستان. وفي حين أَنْكر مسؤولو الحكومة (التي تُشْرف على أربيل والسليمانية ودَهوك) ذلك، أَكَّدَ ناشطون أكرادٌ من داخل أربيل (حيث مهرجانُ المدى) أنّ تقريرَ الأمم المتحدة “قَصَّرَ” عن ذِكْرِ كلِّ الانتهاكات في كردستان واكتفى بذِكْر أَبْرزِها. يقول في هذا الصدد ناشطٌ كرديٌّ يُدعى ربين رَسُول إسماعيل: “تُبيِّن الحقيقةُ الراهنةُ أنّ حقوقَ الإنسان (هنا) سيّئةٌ جدًّا، ولستُ متفائلاً بخصوصِ مستقبلِ حقوق الإنسان في كردستان والعراق.” 11
هذا، ويركِّز تقريرُ الأمم المتحدة على ثلاثة أمور في كردستان: جرائم الشرف، وأوضاع السجناء، وحرية التعبير. ففي ما يتعلّقبجرائم الشرف، يتحدّث التقرير عن إحراق 853 امرأةً أنفسَهنَّ حتى الموت في محافظة أربيل منذ العام 2003 (هل شاهَدَ زوّارُ المهرجان قبورَ أيٍّ منهنّ بالمناسبة؟)، وعن محاولةِ 218 امرأةً أُخرى القيامَ بالأمرِ نفسِه؛ وكلُّ ذلك بسبب “الضغوطِ المتزايدةِ من قِبَلِ الذكور في العائلة.” وهذا يعني أنّ الديموقراطيةَ الكرديةَ في أربيل، إنْ صحّ وجودُها، لم تصلْ بعدُ إلى المرأة، التي يتغنّى بها، وبضرورةِ تحرُّرها الكاملِ، مثقفو الحداثة العربُ، بل ويَعْتبرون (مصيبين) أنْ لا ديموقراطية حقيقية من دون حرية المرأة.
أما بخصوص السجناء، “ولاسيّما المشتَبه بقيامهم بأعمال إرهابية،” فإنّ تقريرَ الأمم المتحدة المذكور يتّهم السلطاتِ الكرديةَ المحليّة باستخدام “التعذيب وسوءِ المعاملة ضدّ الموقوفين،” ويؤكِّد أنّ “كثيرين اعتُقِلوا فتراتٍ طويلةً من دون أيّ اتّهام.” ويعقِّب الناشطُ الكردي (إسماعيل) على التقرير بأنّه “لا يُمْكن وضعُ الناس خلف القضبان سنواتٍ عديدةً لمجرّد الاشتباهِ في أنّهم يشكِّلون تهديدًا للنظام السياسي أو الاجتماعي.”
وأخيرًا، فإنّ تقرير الأمم المتحدة أعلاه يضع تباهي حكّام كردستان ـ العراق بـ “حرية التعبير النسبية” موضعَ شكٍّ وتساؤل. فقد أُوقفَ كثيرٌ من الصحافيين خلال السنوات الماضية على يد قوات الأمن الكردية، وهُدِّد آخرون أو ضُربوا “مِنْ قِبل أشخاصٍ مجهولين.” وقال فرهاد عوني، رئيسُ نقابة صحافيي كردستان: “إنَّنا نَشْعر بأنَّ الصحافيين أحيانًا ضحيّةٌ للمزاجِ السياسي لقواتِ الأمن.”
وضِمْنَ مجال انتهاك حقوق الإنسان ينبغي أن يُضافَ إلى ذلك كلِّه وضعُ العرب داخل كردستان (هل يهتمّ المثقفون الزّوّارُ العربُ كثيرًا بأوضاع “الجالية العربية” هناك؟!). فبعضُ التقارير يتحدّث عن وجود 150 ألف عراقي عربي لاجئ في كردستان، وأنَّ الأكراد لا يَنْسَوْن كيف عامَلَهم صدّام (العربي)؛ ولذا فهم يَنْظرون بحقدٍ إلى العرب. وفي المقابل، يَشْعر كثيرٌ من العراقيين غيرِ الأكراد بأنَّهم “يعامَلون في كردستان وكأنَّهم درجةٌ ثانيةٌ”؛ وهذا ما يُفْصح عنه موظّفٌ في فندق في أربيل، من الطائفة المسيحية الأشورية، اسمُه ولاء متّي، كان قد هَرَبَ من الموصل، ويصيح بألم: “أنا عراقي، وهذه بلادي، لكنِّي أُحسّ هنا كأنَّني غريب.”12 ويَشْعر العراقيون العربُ أيضًا بالاستياء (وربما الحقد) حين يَسْمعون بالأماكن والمنتجعات السياحية في مناطق الأكراد مثل “القرية البريطانية” (British Village) و”مدينة الحُلُم” (Dream City)، في حين تُستباح بغدادُ وغيرُها على يد الأميركان.13 وهم لا يرضَوْن أن يكون الاحتلالُ ثمنًا لرخاءِ بعضِ المتموِّلين الأكراد (وغيرِ الأكراد).
* مسؤوليةُ تدمير كردستان ـ العراق: يبدو أنّ أكثر الصحفيين الليبراليين العرب نَسُوا مَنْ دمَّر كردستانَ ـ العراق خلال العقديْن الأخيريْن. فتنشيطًا لذاكرتهم ربّما، نورد أنّ أجزاءً كبيرةً من كردستان دُمِّرتْ خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية (1980 ـ 1988) التي بدأها صدّام حسين فعلاً، ولكنْ بتشجيعٍ وتحريضٍ وتمويلٍ وتسليحٍ وتأييدٍ من قِبل الولايات المتحدة الأميركية والأنظمةِ الخليجية وغيرِ الخليجية المواليةِ لها.14 وشَنَّتِ الولاياتُ المتحدةُ وحلفاؤها حربًا على العراق عامَ 1991، وحَوَّلتْ كردستانَ إلى “منطقة آمنةٍ” (أو محميّةٍ أميركيةٍ بالأحرى) يتقاسمها حزبان: الاتحادُ الوطني والحزبُ الديموقراطي. لكنّ الحزبيْن شَرَعا في الاقتتال في ما بينهما، فكان أن استدعى مسعود البرزاني (الحزب الديموقراطي) صدّامًا ليَسْحَقا، معًا، مَنْ كان آنذاك عدوَّ البارزاني اللدودَ، السيّد جلال الطالباني (الاتحاد الوطني)، المستنجِدَ بدوره بإيران، وذلك بعد عاميْن من القتال الداخلي ذَهَب ضحيّتَه آلافُ الأكراد. أما جلال الطالباني نفسُه، الذي يَصِفُه اللبناني الصهيوني فؤاد عجمي اليومَ بـ “العَلْماني الكردي ذي التمدُّن والعِلْم الكبيريْن”www.iris.org.il/bt09/archives/2335-The Great Circle-of-Enmity.html" href="#footnote15_9awrqpd">15 (وهو وصفٌ يُذكِّر بوصف بعض الصحفيين للطالباني أثناء لقائهم به في كردستان مع مئتيْ مثقفٍ عربي آخر)، فقد سبق أنْ “تعاوَنَ” علنًا وبوحشيةٍ مع حزب البعث الحاكم ضدّ حزب البارزاني.16 وممّا يُضاف إلى سجلّه الديموقراطي الباهر و”تمدُّنِه وعِلْمِه الكبيريْن” ما كتبه الشاعرُ العراقي سعدي يوسف في العام 2005، وهو أنّ الطالباني متَّهمٌ بـ “قتل عشراتٍ من النَّصِيراتِ والأنصارِ الشيوعيين العرب الذين كانوا يقاتلون نظامَ صدّام حسين” في ما عُرِفَ بأحداثِ بشت آشان سنةَ 3891، وذلك بطلبٍ مباشرٍ من صدّام نفسِه!www.rezgar.com)" href="#footnote17_ucnc5g6">17.
إذا كان بعضُ المثقفين العرب نَسُوا ذلك لأنّه حَدَثَ قبل زمنٍ طويل، فهل نسُوا أنّ الطالباني هو الذي وَقّع، بعد شهور فقط من اجتياح بغداد عامَ 3002، وثيقةَ الاستسلام أمام الغزوِ الأميركي؟!
ولكنْ، أهو النسيانُ فعلاً؟
يحكي سعدي يوسف عن محاولة الرئيس الطالباني شراءَ المثقفين العراقيين المقيمين في الخارج لكمّ أفواههم (وهذا يذكِّر بما فعله صدّام نفسُه، وإنْ بأموالٍ أضخم كما يرجَّح). ويضع سعدي في هذا السياق تشكُّلَ اتحاداتٍ وجمعياتٍ “ثقافية” في السويد وألمانيا وهولندا وأستراليا، بدعمٍ وبتمويلٍ “من الممثّليات الديبلوماسية للإدارة #العراقية] العميلة.”18 فهل يَنْدرج مهرجانُ المدى ضمن خطوات الطالباني (ومستشاريه الثقافيين) لشراءِ ضمائرِ المثقفين والصحفيين العراقيين والعرب، وكمِّ أفواههم عن قولِ الحقيقة، وجعلِهم أَشْبهَ ببغاءاتٍ سوفياتيةٍ يردِّدون ما يقوله الملكُ الجديد؟
* فخري كريم: وأخيرًا، لا آخرًا، هل يَعْرف المدعوّون إلى مهرجان المدى، ممّن طَبَّلَ وزَمَّرَ لإنجازاتِ كردستان الديموقراطية، مَنْ هو مديرُ مهرجان المدى، الأستاذ فخري كريم؟
إنّ شبكةَ الانترنت تكاد تختنقُ بما يُكتب دوريًّا عن هذا الزميل الناشر. وكثيرٌ من الأخبار والتعليقات مكتوبٌ بالعربية، إنْ كان مثقفونا ومراسلونا لا يُتْقنون لغاتٍ أخرى. فإذا كانوا ما يزالون يَجْهلون استخدامَ الانترنت أيضًا (وهو أمرٌ مشكوكٌ فيه)، فيكفي أن يَلْتقوا بأيِّ شيوعيّ عراقيّ، مخضرمٍ نظيفٍ، من حزبِ الرفيق فهد، ليَعْلموا أين آلت أموالُ الحزب الشيوعي العراقي، أموالُ الفقراءِ والطلاّبِ وعائلاتِ الشهداء، وأموالُ مجلة النهج ودار المدى، وليَعْلموا صِلاتِ بعض “الشيوعيين” العراقيين القدامى/الجدد بمخابراتِ صدّام نفسِه في الستينيات والسبعينيات، فضلاً عن المخابرات العربية والأميركية والبريطانية في ما تلا ذلك من عقود. أمْ أنّ ذلك كلَّه لا يهمّ ما دام بعضُ المتموّلين العراقيين الكبار، الحديثي النّعْمة، يقيمون المهرجاناتِ الثقافيةَ، ويَدْعمون الثقافةَ الشعبيةَ بكتابٍ مجّانيّ يوزَّع بالملايين كلَّ شهر، ويُقيلون عثرةَ بعضِ الشيوعيين السابقين ممّن قرّروا لحسَ ماضيهم و”محاكمةَ” ماركس ولينين والإشادةَ بالديموقراطيةِ العراقيةِ الجديدة؟
* * *
إنّ وطننا، الوطنَ العربي، في مأساة لا لأنَّنا ابتُلينا بأنظمةٍ مستبدّةٍ فحسب، وبأطماعٍ إمبرياليةٍ وصهيونيةٍ متعجرفةٍ فقط، بل لأنَّنا أيضًا إزاء تراجُعٍ حادٍّ في الوعي النقدي الحقيقي. إنّ أدعياءَ الوعي النقدي اليومَ يهاجِمون ظالمين مستبدّين، لكنّهم يَسْكتون عن ظالمين مستبدِّين آخرين. وكانوا قبل سنة 3002 يندِّدون بالاحتلالِ والديكتاتوريةِ معًا، ولكنْ حين سَقطت الديكتاتوريةُ سَكَتوا عن الاحتلال وصنائعه واكتفوا بالتنديد بالديكتاتوريةِ... والديكتاتورية (السابقةِ طبعًا). بل إنّ أحدَهم لم يتورَّعْ عن القولِ في مهرجان المدى في كردستان العامَ الماضي: “إنَّني سعيدٌ الآن لأنَّني في مؤتمرٍ حرٍّ على أرضٍ حرّة!”19
بئسَ هذه الحريةُ التي ثَمَنُها سبعُمئةِ ألفِ ضحيةٍ عراقية بريئة خلال أربع سنوات، وتقسيمُ الشعبِ والوطنِ العراقييْن، وتغلغلُ الموساد، وتزايدُ جرائمِ الشرف، وتدهورُ حقوقِ الإنسان وحريةِ التعبير داخل القسم “المحرَّرِ” نفسِه.
وبئس هذا الوعيُ النقديُّ المزيَّف!
بيروت 19/5/2007

1. 1. راجع في هذا الصدد ما كتبه صبري حافظ في “قضايانا أمْ قضايا أدونيس الراهنة؟”، الآداب 3/4، 1995، ص 34 ـ 37؛ وأيضًا ما كَتَبه صبحي حديدي في الآداب 7/8 من السنة نفسها بعنوان “أدونيس والمحاججةُ الفقيرة،” وذلك ردًّا على ردّ أدونيس على منتقديه في الآداب (راجع: أدونيس، “الثقافة، الجريمة، التسلية،” الآداب 5/6، 1995، ص 4 ـ 8).
2. 2. من مقابلةٍ أجرتْها محطةُ NBN اللبنانية التلفزيونية مطلعَ هذا الشهر مع النابلسي، الذي يدعو نفسَه، منذ زمن، “ليبراليًّا.”
3. 3. عزمي بشارة، “الشعاراتية الفارغة شعارًا فارغًا،” ,جريدة الأخبار، 2/4/2007
4. 4. أحمد بزّون، “الطالباني في لقاء مع مثقفين عرب،” السفير، 4/5/2007
5. 5. وائل عبد الفتّاح، “إلى كردستان ذهبنا ورأينا،” الأخبار، 21/5/2007
6. 6. من أجمل ما قرأتُه له، بالمناسبة، كتابُه الصادرُ عن دار الآداب عامَ 2002، وهو بعنوان إناء الألوان. نَقَله عن الكردية: شاهو سعيد
7. 7. السفير، مصدر مذكور
8. 8. السفير، 9/5/2007، ص 18
9. 9. عبد الرحمن منيف، مجلة الطريق، العدد السادس، 1997، ص 101
10. 10. Laura Rozen, “Kurdistan’s Covert Back – Channels”,www.motherjones.com
11. 11. Mohammed A. Salih, “Iraq: UN Report Sparks Uproar in Kurdistan”,http://ipsnews.asp?idnews-37630
12. 12. Andrew Lee Butters, “Kurdistan: Iraq’s Next Battleground?”, April 12, 2007, Time, www.time.com/time/printout
13. 13. Andrew Lee Butters, “Kurdistan: Iraq’s Next Battleground?”, April 12, 2007, Time, www.time.com/time/printout
14. 14. Husayn Al-Kurdi, “The CIA in Kurdistan”, Dec. 1996,www.zmag.org/zmag/articles/dec96kurdi.htm
15. 15. "A secular Kurd, of great civility and learning."www.iris.org.il/bt09/archives/2335-The Great Circle-of-Enmity.html
16. 16. Husayn Al-Kurdi, op.cit
17. 17. سعدي يوسف، “جلال الطالباني إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي،” 18/2/2005 (www.rezgar.com)
18. 18. سعدي يوسف، “تأطير المثقفين العراقيين في الخارج استعماريًّا،” 2/01/2006،www.saadiyousif.com/Syasa/21.html
19. 19. الزميل الشاعر عبّاس بيضون، في كلمةٍ وزّعتْها على الانترنت جهاتٌ عراقيةٌ معارضة

Monday, April 26, 2010

Critique of ‘Critical’ Consciousness: Iraqi - Kurdistan as a Case Study

This is the article published in Al Adab Journal in their 5-6 2007 issue.


One of the worst aspects of Arab cultural press and media has been criticism, in the name of “modern critical consciousness,” of backward traditional structures, Arab belief in the supernatural, nationalist tyrannical authorities, Islamic obscurantism, and despotic left…coupled with great praise for the (Saudi) Wahhabi[3] and (Lebanese) Junblati moderation,[4]Egyptian flexibility, Palestinian pragmatism, Western rationalism, and so on.

Thus we read Adonis [the Syrian poet and essayist] criticizing "rigid" structures and Arab fundamentalisms in an orientalist mode based on anecdotal generalities (a la Rafael Patai occasionally), to find out later that he is fronting an entire book on the thoughts of Imam Muhammad ibn Abd al-Wahhab, choosing its texts and prefacing it (with Dr. Khalida Sa’id), as part of a series entitled "The Renaissance Series: Studies and Texts Representing a New Vision of the Arab Renaissance" (Beirut: Dar al-‘Ilm Li Almalayin, 1983). This was, therefore, how Ibn ‘Abd al-Wahhab, a dogmatic thinker, was transformed by a symbol of modernity (Adonis) into a pioneer of the Arab Renaissance![5]

By way of further example, though on a much lower intellectual level, we see Shakir al-Nabulsi[6], having emphatically divorced Marxism and Nationalism, praising the “poetry” (yes, poetry!) of Prince Khalid Al- Faysal of Saudi Arabia, and even presenting him as one of the "pioneers" of Modernism and Arab thought.[7]

I have also previously noted how a number of modernist intellectuals in Lebanon have been transformed to serve the Hariri Industry. They have thus ‘mobilised’ their erudition and modernism to praise the late president Rafiq al-Hariri, his successor Sa’d al-Hariri, and their friend Prime Minister Fu’ad Al-Sanyurah.

Needless to say, every person has the right to praise whoever he or she deems worthy of praise. But to render [the multi-millionaire] R. Hariri "a poet of places" (according to the modernist poet, Paul Shawul, in "Stay at Home" programme on the Al-Mustaqbal Satellite Channel, winter of 2005); and to describe the same person as a “post-modernist” intellectual that possesses “complex, creative, multi-faceted thinking" (in the words of Ali Harb, an advocate of ‘transformative thought’ and a deconstructive critic of the “illusions of the elite,” on the same channel), would certainly raise doubts regarding the very modernist ideas those intellectuals have been expounding for decades. Such writings in fact could nurture in the readers’ minds fundamentalist and traditional thought which those same eulogisers had spent decades opposing (at times with great zeal). Imagine someone listening to liberal modernists praising Saudi "moderation" after cursing Ba’thist despotism: Wouldn’t he or she be inclined to support Saudi Arabia instead of modernist thought? Or consider someone reading a modernist writer praising Ibn Abd al-Wahhab: Wouldn’t he or she champion Wahhabi ideology instead of modernist thought?

In other words, if modernists, deconstructive “transformers,” and conscious critics applaud Wahhabism, Harirism and Mubarakism, why wouldn’t "ordinary" readers be drawn towards the object of acclaim rather than the acclaimer; to the celebrated rather than the celebrator; to the original rather than the copy?


Of course, this intellectual shift did not occur spontaneously. Rather, it is the result of decades of Arab defeats; of the left’s decline; of official Arab and Western awards to Arab intellectuals; of Arab and Western "receptions," first class travel tickets and five stars hotels. Such a shift has also been associated, in recent years, with tedious theorising against what neo-liberals describe as “empty rhetoric,” a term that is empty rhetoric itself, as Azmi Bishara[8] once wrote. For, how can they describe an Arab regime like Saudi Arabia as moderate, when it allies itself with the most horrific mass murderer on earth (the USA), represses human rights, especially the rights of women and minorities and freedom of expression?[9] And what credibility do the "moderates," "realists" and "pragmatists" have when they insist on the two-state solution (Palestinian and Israeli) if the bases of a Palestinian state on the West Bank and Gaza have been eradicated due to the Zionist brutality? What credibility have the critics of Saddam Hussein and his mass graves (the latter as horrendous as the former) when they praise Talabani and Barzani?

Here I come to the crux of the matter, since Iraqi Kurdistan offers a perfect case study of the emptiness (hollowness) of the "empty rhetoric" itself. It shows the basic contradictions of the neo-liberals (let us call them: the neo-conservatives), or more precisely, their apathetic attitude to analyse and demystify the illusions of the new “Iraqi” democracy, after having published hundreds of articles cursing Saddam's Iraq.

* * *

Between April 29 and May 6, 2007, the fifth Mada Cultural Week took place in Arbil, the capital of the Kurdish region in Iraq. All official newspaper editors in the region were invited to attend. Royalty-worthy praise and adoration were presented to the festival, its sponsor (‘president’ Talabani), and manager, our colleague publisher Fakhry Karim, who alone “equals a complete workshop” according to Ahmad Bazzun ofAl-Safirnewspaper.[10] Only few mild criticisms surfaced, such as the grumbling by some journalists (Bazzun) regarding the lack of organisation, and the absence of Arabic signs on the streets of Arbil. Wa’il Abd al-Fattah also reminds us that Al-Mada Cultural Week was sponsored “by a regime whose path was paved by American tanks,” and that Karim “courted political and intellectual controversy before the demise of Saddam’s regime”[11] years prior to his arrival at his new post.

Aside from such exceptions, however, media coverage of the festival failed to accurately depict the state of affairs in Kurdistan and the “handlers” of the Iraqi intellectual scene as a whole. Much fuss was made about the number of the guests (800 Arab, Kurds and foreign) and how the festival was multi-faceted (cinema, theatre, art exhibition, book fair, traditional costumes, singing, politics and economic). All this, according to the media coverage, was spiced by Talabani’s democracy, his sense of humour, the security and economic development in Kurdistan. It is as if most of the guests have done what conventional Orientalist travellers do upon their arrival to a new place; they take a tour and get their information from the official channels [rather than find out the realities from the local population].

Now I am not claiming this was a deliberate conspiracy against truth.(Like yourselves, I am no fan of harping on about conspiracy theories-not that I do not think they exist, but because they have been staring us in the eye). What this reveals, however, is a chronic laziness on the part of Arab journalism in general. Thus it seems sufficient for a journalist to read a poem or two by a great Kurdish poet such as Sherko Bekes,[12] or learn a couple of Kurdish words such as (Kakeh/brother and Mam/uncle), or read an article about Saddam’s crimes, and all of a sudden he or she can write like experts on the Kurdish region and on the whole of Iraq! Allow me to ask you, colleagues: Where is the critical mind with which you have been pounding our heads for years? Do you really know how things are in the Kurdish region? Do you know about Kurdish women’s status and honour killings? Do you know about the Israeli Mossad’s activity in the region? Do you know about the conditions in Kurdish prisons? Freedom of expression? Arbitrary arrests? Do you know how the Kurdish region became, if true, a “safe haven” in Iraq? Do you know the conditions of non-Kurdish Iraqis there? Do you know who spurred Saddam to destroy swathes of Iraqi Kurdistan during the Iran-Iraq war? Do you know the extent of destruction the two main Kurdish parties inflicted after the 1991 war? Do you know who Mas’ud Barzani invited to destroy his Kurdish rival (PUK), and with whom Jalal Talabani cooperated to fight his own rival (KDP)? Do you know the history of the festival’s manager whom you praised as alone “equals to a complete workshop”? Have you read anything about the social conditions in Kurdistan before you travelled to this “oasis of democracy,” including what a great poet you undoubtedly respect, Saadi Youssef, has written?

I am aware that you are too busy with other persistent daily activities. Thus, I have done some quick reading to fill the gaps you’ve left. Below, I will outline a summary of what I have read – not as a way to convey the full truth, rather as a way to uncover aspects that go beyond the naive press reports, which suggest that there is economic development in Kurdistan simply because “president” Talabani said that Suliaymania [in the Kurdish region] now has one thousand millionaires as opposed to six during Saddam’s rule![13] Moreover, these reports hail democracy simply because Talabani said that Iraq contains “more democracy than any other country” - one of the pointers for this democracy being (believe it or not) “the right of 14 million Shi’a is...to wail!” Worst of all is the silence in your press reports on how this new Iraqi Kurdish democracy, which came on the backs of American tanks, hid itself behind the great poetic symbol, the late Muhammad Mahdi Al-Jawahiri, who was made a symbol of the recent Mada Festival even though he had previously opposed the American invasion on Iraq in 1991; in fact, according to the writings of Abd Al-Rahman Munif, Al-Jawahiri declared his readiness “to be among the first ten who will face the invasion on Basra.”[14]


On the role of Israel in Kurdistan – Iraq: In June 2004, American journalist Seymor Hersh wrote in theNew Yorker about Israelis in Northern Iraq, dressed up in business suits, in order to recruit Kurdish agents to collect information in preparation for a possible Israeli–American operation against Iran. Last summer, Israeli Haaretzreported that Shlomi Michaels, an Israeli, was interrogated because his work in Kurdistan was led without Israel’s official permission. On April 11, 2007, Laura Rozen wrote about an investigation she carried out over the past year, whereby she discovered that Michaels and his associates, like ex-Mossad head Danny Yatom, “were part of an effort by the Kurds and their allies to lobby the West for greater power in Iraq, and greater clout in Washington, and at the same time, by a group of Israeli ex-security officials, to rekindle good relations with their historical allies, the Kurds, through joint infrastructure, economic development, and security projects.” And according to Yedioth Ahronoth, the Israeli paper, Michaels brought Israeli officers “toprovide counterterrorism training to Kurdish security forces at a secret camp Z in Iraq,” in return for “a few million dollars.” However, Turkish authorities, which the Israelis crossed using their passports, became aware of the situation, informed Israeli authorities, and conducted investigations with Michaels and others. Nevertheless, Israel agreed to send defence and communications equipment to Kurdistan–Iraq in order to “develop” Israeli presence “in the Kurdish area.”[15]

The representatives of the Kurdish government do not deny Israeli presence in Kurdistan, though they claim it is only related to the private sector (as if this is a simple matter).This is what President Jalal Al-Talabini’s son, the representative of the Kurdish government in Washington, admitted to Laura Rozen, bragging that Kurdistan will be “the gateway to Iraq.”

But whose gateway, we ask?

As for Arbil, where Arab journalists went to cover the Mada festival, there is a Mossad office. The Mossad’s former Arbil station chief, Eliezer Geizi Tsafrir, admitted to reporter Rozen that the office has helped the Kurdish intelligence and Mulla Mustafa Al-Barazani: “They [the Kurds] approached us, saying they had nobody to help them in the world, and our people had suffered too. We supplied them with cannons, guns, anti-air equipment, all sorts of equipment, and even lobbying. The contacts between us, and the sympathy, will last for generations to come.”

We are told that Kurdistan–Iraq is an oasis for democracy and human rights. Let us, then, examine this claim promptly. For, what we have seen from the above is that it is, unfortunately, an oasis for Israeli businessmen and Mossad’s agents (and CIA agents of course) against neighbouring countries, and against the Iraqi people itself.


Human Rights and Women Rights in Iraqi Kurdistan

A United Nations Assistance Mission for Iraq (UNAMI) report, dated April 2007, has a special section on monitoring human rights abuses in the northern area of Iraq covering the early months of 2007. The report states that there are “serious concerns” on the questions of freedom of expression, [arbitrary] arrests, and the social status of women in the Kurdish area.

While officials of the Kurdish Regional Government that rules over Arbil, Suliaymania and Duhouk provinces deny the existence of such abuses, Kurdish activists in Arbil (where al Mada Festival was held) say that the UNAMI report was far too lenient and did not mention all human rights violations, only the “prominent and outstanding ones.” Rebin Rasul Ismael, a Kurdish human rights activist from Arbil, believes that "the current reality shows that human rights conditions (here) are very bad, and I am not optimistic about the future of human rights in Kurdistan and Iraq."[16]

The UNAMI report focused on three aspects of human rights violations: 1) Honour killings; 2) conditions of detainees; and 3) freedom of expression.

On honour killings the report mentions that in Arbil province alone, under “increasing pressure from male members of the family,” 358 Kurdish women have “burnt themselves to death since 2003” (Did the Mada Festival’s guests visit the graves of any of these women?) and 218 others “attempted to do so.” This means that if indeed democracy exists in Arbil, it has not yet reached Kurdish women, without whose total liberation (as Arab modernist intellectuals rightly claim) there can be no democracy.

On the question of prisoners, especially those suspected of “terrorism,” the UNAMI report accuses the Kurdish local authorities of “torturing and ill-treating detainees.” The report asserts that “many have been held for prolonged periods without any charge.” Mr. Ismael, the aforementioned Kurdish activist, commented on this issue saying: “You cannot hold people behind bars for a couple of years just on suspicion of posing a threat to the political or social system.”

As to the “relative freedom of expression,” the report brings into question the veracity of the claims of the Kurdish officials: “Several journalists have been arrested by security services over the past few years. Others have been threatened or beaten by unknown persons.” Firhad ‘Awni, the head of Kurdistan Journalists’ Syndicate, said: “We have a feeling that sometimes journalists are subjected to the political mood of the security services."

On the subject of human rights one must not forget the plight of Arabs in the Kurdish region (does this issue not concern the visiting Arab intellectuals?). Some reports refer to 150,000 Iraqi Arabs displaced in the Kurdish region, and how Kurds do not forget the oppression they suffered under Saddam (an Arab), hence their hatred for Arabs. Many non-Kurdish Iraqis feel “like second class citizens,” as reveals Wala’ Matti, an Assyrian employee in a hotel in Arbil who fled from Mosul: “I am Iraqi, this is my country, but here I feel as if I am foreigner.”[17] Arab Iraqis also feel dismay (and grudge perhaps) when they hear about the Kurdish luxury tourist resorts like “British Village” and “Dream City,” while Baghdad and other Iraqi cities are being desecrated by the occupiers[18]; they do not accept that the occupation be the price that Iraqis pay for the sake of the affluence of a few Iraqis - Kurdish and non Kurdish.

Responsibility for the destruction of Iraqi Kurdistan

It seems that the memory of neo-liberal Arab journalists has waned in the last two decades, thus forgetting who destroyed many parts of Iraqi Kurdistan. The fact is: Major parts were destroyed during the Iran-Iraq war (1980-1988), which was indeed launched by Saddam Hussein but encouraged and supported financially and military by the US and its faithful Arab regimes in the Gulf and its allies beyond.[19] In 1991, the US and its allies launched a war on Iraq; in its aftermath, the Kurdish region was turned into a “safe haven” (or rather an American protectorate), to be divided by two Kurdish parties (PUK and KDP). However, these two parties fell out and military infighting ensued. This lasted two years. The head of KDP Mas’ud Barazani then enlisted the help of Saddam Hussein to destroy his enemy Talabani. Meanwhile, Talabani, the head of the PUK, sought the help of Iran. Thousands of innocent Kurds suffered and died as a result of this civil war. Talabani, described by the Zionist Lebanese Fu’ad Ajamy as “a secular Kurd of great civility and learning,”[20] (a description that echoes that of several Arab journalists who met up with Talabani in Kurdistan on a separate occasion), had collaborated brutally and openly with the ruling Ba’th party against Barazani.[21] To add to Talabni’s glorious democratic record and “great civility and learning” is what the Iraqi poet Saadi Yuseef described in 2005 as the massacre of Pisht Ashan which took place in 1983. Talabani stands accused of complicity in “the killing of tens of communist rebels, both men and women, who were fighting the regime of Saddam Hussein.” The killing is said to have occurred on orders from Saddam himself.[22]

If some Arab intellectuals have forgotten all these facts since they occurred long time ago, did they also forget that it was Talabani himself who, a couple of months into the invasion of Baghdad in 2003, signed the surrender document?

But is it really a matter of lapsed memory? Well, Saadi Yuseef tells us about the attempt of President Talabani to bribe Iraqi intellectuals living abroad, in order to prevent them from playing their critical role. This reminds us of Saddam Hussein’s attempts to do the same, but probably with far more money assigned to this project. Yuseef talks of cultural associations and unions which have been established in Sweden, Germany, Holland and Australia and funded by the Iraqi puppet government via its consulates.[23] One can only wonder whether the Mada Festival might be another attempt by Talabani (and his intellectual advisors) to buy the conscience of Iraqi and Arab intellectuals and journalists, turning them into mere “soviet parrots,” reciting whatever they are told by the new king!

Fakhry Karim

Finally, did the attending guests who went on to hail the achievements of “the Kurdish democracy,” know who Fakhry Karim, the Mada Festival’s organiser, is?

The Internet is clogged up with articles written regularly about this publisher colleague, many of which are in Arabic, just in case our intellectuals and journalists do not know other languages. If they still do not know how to use the internet (and this is doubtful indeed), it would suffice to contact any honest veteran Iraqi communist, true to the principles of Comrade Fahd, the founder of the Iraqi Communist party (ICP), in order to find out what happened to the ICP’s funds gathered from students, poor people and families of the party’s martyrs, in addition to the funds allocated for Al-Nahj magazine and Al-Mada publishing house. Perhaps those guests should have also investigated the links between some old/new Iraqi “communists” and Saddam’s secret services in the sixties and seventies, as well as the secret services of Arab countries, the UK and US in later times. Or is all of this of no significance so long as some Iraqi parvenus can organise cultural festivals, support popular culture by publishing a monthly book distributed in the millions free of charge, and help few old guard communists who decided to erase their past and to put Marx and Lenin “on trial” while eulogising the new Iraqi democracy?

***

We in the Arab world are living a real tragedy not only because we are living under oppressive regimes, compounded with imperialist’s designs and Zionist schemes, but also because of a major setback in genuine critical consciousness. Charlatan intellectuals practice double standards, by being selective in their critique, thus criticising one oppressor while turning a blind eye to another. Before 2003 they condemned both dictatorship and occupation; however, as soon as the dictatorship was replaced by occupation, they fell silent and now only criticise the already demised dictatorship. One of the “intellectual” attendees of Mada Festival, which took place in Kurdistan last year, proclaimed “I am happy now since I am attending a free conference on a free land.”[24]

To hell with this freedom that has in the last four years devoured the lives of 700,000 innocent Iraqis, allowed the Mossad to infiltrate Iraq, caused internal division and strife, an increase in honour killings, and the deterioration of Iraqi human rights and freedom of expression in the ‘liberated” part of Iraq itself.

And to hell with this phoney critical consciousness!




--------------------------------------------------------------------------------

[1] AL-ADAB journal was established in 1953 by the late Lebanese intellectual Suhayl Idris. It is considered one of the most influential literary publications in the Arab world. It is currently published six times a year, and includes files on politics, poetry, novels, cinema and public culture. Its current editor is Samah Idris, a writer and author.

[2] This text has been translated and edited from Arabic by Ali Issa, Nofa Khadduri, Namir Shabibi and Tahrir Nouman.

[3] Wahabism is a name given to followers of Imam Muhammad bin Abd al-Wahhab, an 18th-century scholar who was born in Najd ( Saudi Arabia of today). He advocated that it was the duty of every Muslim to follow Islam strictly in accordance with the Qur'an and the Sunnah.

[4] Junblatism, a term that refers to Walid Junblat, the leader of PSP (Progressive Socialist Party). He has been known for shifting positions every now and then: From pro-Syria to anti-Syria (and pro-Bush) and back again to being pro-Syria, from anti-privatization to pro-privatization and again to the old position, only in the last 5 years following the assassination of Rafiq al-Hariri. He is a symbol of opportunism in politics and the public sphere in general.


[5] Sabri hafiz, “Our, or Adonis’s, Current Issues?”, Al Adab 3-4, 1995, P 34-37. And Subhi Hadidi, “Adonis and Poor Argumentation”, Al Adab, Issue 7-8/ 1995, in response to Adonis’s reply to his critics in Al Adab 5-6 / 1995, P 4-8 entitled “Culture, Crime and Entertainment”.

[6] Shakir al-Nabulsi is a Palestinian literary critic who was very pro- resistance in Palestine and elsewhere. In the last decade or so, however, he has been coined as a "liberal Arab", adopting pro-Bush and anti resistance stands.

[7] NBN Lebanese satellite T.V interview with Shakir al Nabulsi, who has of late described himself as “liberal” (first week of May 2007).

[8] A Palestinian politician who was a member of the Israeli Knesset from 1996 until resigning in April 2007. He is the author of many books and numerous articles dealing with nationalism, Islam, democracy, the Palestinian issue, and minority rights.

[9] Azmi Bishara, “ Empty Rhetorics Being itself an Empty Rhetoric,” Al-Akhbar, 2/4/2007.

[10] Ahmad Bazzun, “ Talabani in a Meeting with Arab Intellectuals,” Al-Safir, 4 May 2007.

[11] Wa’il Abd al-Fattah, “We Went to Kurdistan and Saw,” Al-Akhbar, 21 May 2007.

[12] Some of his best poems, entitled The container of colours, were translated from Kurdish into Arabic by Shahoo Said and published by Dar Al-Adab in 2002.

[13] Al-Safir, 9 May 2007, P 18.

[14] Abd Alrahman Munif, Al Tariq Magazine, Issue 6, 1991, P 101.

[15] Laura Rozen, “Kurdistan’s Covert Back – Channels,” Mother Jones, 04/12/07www.motherjones.com

[16] Mohammed A. Salih, “Iraq: UN Report Sparks Uproar in Kurdistan,”http://ipsnews.asp?idnews- 37630

[17] Andrew Lee Butters, “Kurdistan: Iraq’s Next Battleground?”, April 12, 2007,Time,www.time.com/time/printout

[18] ibid.

[19] Husayn Al-Kurdi, “The CIA in Kurdistan,” Dec. 1996,www.zmag.org/zmag/articles/dec96kurdi.htm

[20] www.iris.org.il/bt09/archives/2335-The Great Circle-of-Enmity.html

[21] Husayn Al-Kurdi, op.cit

[22] Saadi Yuseef, “Bring Jalal Talabani to International Criminal Court at the Hague,” 18 Feb 2005.www.rezgar.com

[23] Saadi Yuseef, “ The Colonial Deployment of Iraqi Intellectuals in the Diaspora” October 2 2006،www.saadiyousif.com/Syasa/21.html

[24] The poet Abbas Baydhun in a statement which was distributed on line by Iraqi opposing groups.

Petition sign and circulate:

Release Iraqi women hostages, victims of terrorism themselves

بعيدا عن الوطن؛ حراك التضامن مع الوطن فنا، شعرا وكتابةً
Away from Home; Memory, Art and women solidarity: you are invited to an evening of poetry and music 22/3/2017 18:30 at P21 Gallery London click here for more details
___________________
Public meeting at The Bolivar Hall, London Sat.14/5/2016 at 15:00 IDPs : Fragmentation of Cultural and National Identity



-------------------------------------------

Protest the suffering of Iraqi Christians: No to terrorism No to state terrorism.Hands off our minorities. Hands off our people. Shame on the human rights violators on all sides. Assemble 11:30 on 28/7/14 near Parliament Square, near Westminister tube station London. For more past events click here

-----------------------------------------------------------------------------------------

Useful links






Halt All Executions! Abolish The Death Penalty!

We women of Tadhamun condemn the persisting practice of arbitrary arrests by the Iraqi security forces. We condemn their arrests of women in lieu of their men folk. These are 'inherited' practices. We are alarmed by credible media reports of the Green Zone government’s intentions of executing hundreds of Iraqi men and women.


For more info click here
--------------------------------------------------------------


--------------------------------------------------------------
Professor Zaineb Al Bahrani of Columbia University NY speaking at a our meeting on the destruction/damage to historical sites in Iraq

On youtube: Part1
Part 3
Part4
One more video:



Human Rights Watch: No woman is Safe

Disclaimer

Articles published on this site do not necessarily reflect the opinion of WSIUI or its members


المقالات المنشورة على هذا الموقع لا تعكس بالضرورة آراء منظمتنا أو أعضاء منظمتنا


Samarra Minrate built in 852 AD

Samarra Minrate built in 852 AD
Building of 1 500 massive police station !
From the angle of the photo, it is possible to calculate that the complex is being built at E 396388 N 3785995 (UTM Zone 38 North) or Lat. 34.209760° Long. 43.875325°, to the west of the Malwiya (Spiral Minaret), and behind the Spiral Cafe.
While the point itself may not have more than Abbasid houses under the ground, it is adjacent to the palace of Sur Isa, the remains of which can be seen in the photo. While the initial construction might or might not touch the palace, accompanying activities will certainly spread over it.Sur Isa can be identified with the palace of al-Burj, built by the
Abbasid Caliph al-Mutawakkil, probably in 852-3 (Northedge, Historical Topography of Samarra, pp 125-127, 240). The palace is said to have cost 33 million dirhams, and was luxurious. Details are given by al-Shabushti, Kitab al-Diyarat.
Samarra was declared a World Heritage site by UNESCO at the end of June. The barracks could easily have been built elsewhere, off the archaeological site.--
Alastair Northedge Professeur d'Art et d'Archeologie Islamiques UFR d'Art et d'Archeologie
Universite de Paris I (Pantheon-Sorbonne) 3, rue Michelet, 75006 Paris
tel. 01 53 73 71 08 telecopie : 01 53 73 71 13 Email :
Alastair.Northedge@univ-paris1.fr ou anorthedge@wanadoo.fr